مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٦وافتصالها (النقل من موضعها) وتنكب الباحث عن الفصل بينها، وهو ما نكبه عن المنهج الدراسي العلمي، وعن هدف دراسته الخاصة. بتحقيق كتاب أبي عمار الإباضي.
وقد سبق في علمي أن دراسة التاريخ، أو السياسة ـ وهو غير مختص فيهما، يحتاج الباحث فيهما إلى الموضوعية والحكمة، والكياسة، واستعمال التفكير والتدبير في انتقائه للأقوال والاستشهادات، وأكثر من ذلك فإن الباحث عليه أن يعتمد المنطق والمعقول في تقرير الأحكام، وتمحيص الحقائق المروية من الخرافات، والمهاترات الباطلة لكي لا يتيه عن جادة الصواب والحق والصدق في الروايات، ويجتنب الحساسيات والتفرقة في الوحدة والأخوة، ولا يقع في المحذورات التي حذر ابن خلدون المؤرخين منها (1406 - 1332م/808 - 732هـ) فقال: " .... وكثيرا ما وقع للمؤرخين، والمفسرين، وأيمة النقل من المغالط بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار فضلوا على الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط، لاسيما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر، إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب، ومطية الهذر، ولابد من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد … "/ (المقدمة/ ص: 10). وسيتبين لنا خلال هذا النقد كيف وقع الباحث في هذه المحذورات.
ويشير في صفحات أخرى إلى طبيعة التغير النفسي والسلوكي، وتبدل أفكار البشر في السياسة والاجتماع، وما يواجهه فكر المؤرخ من جمود، وأفكار مسبقة، فقال: " … ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الاعصار، ومرور الأيام وهوداء دوي شديد الخفاء، إذ لا يقع إلا بعد أحقاب متطاولة، فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم، ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة والدول. سنة الله التي قد خلت في عباده … «/ (نفس المصدر/ ص31) و بعد أن ذكر هذا التغير والتبدل وعدم دوامها على وتيرة واحدة بيَّن بعض أسباب ذلك التبدل والتغير، منها ما قاله: "وأن عوائد كل جيل تابعة لعوائد