مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣الظهور والكتمان.
وشيئا فشيئا تبلور فكر الإباضية بإمامة جابر بن زيد الأزدي (ت 93هـ)، الذي قال عنه عبد الله بن العباس: «لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر لأوسعهم علما عما في كتاب الله»(1).
لقد كان جابر بن زيد عالما بكتاب الله، أنشأ تلامذته من الإباضية على ذلك العلم بالذات. ولقد قام المذهب الإباضي على مصادر عديدة، أولها على الإطلاق كتاب الله، القرآن الكريم. لا ينتقلون عنه إلى السنة إلا عند عدم وجود الحكم فيه.
ولا نغادر القرن الأول الهجري دون أن نشير إلى رسالة عبد الله بن إباض إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (65 ـــ 86هـ)، تلك الرسالة التي افتتحها بالقرآن، واختتمها بالقرآن. ولم يبحث عن الدليل والحجة فيما يدعو إليه الخليفة سلطان المسلمين إلا في القرآن، بل إنه دعا الخليفة إذا أراد أو رأى أن يجيبه، فلا تكون حجته إلا من القرآن. وهذه فقرات من تلك الرسالة: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان. أما بعد: إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب وبين فيه كل أمر، وفصل فيه كلَّ حكم، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وجعله هدى ورحمة لقوم يومنون … »(2).
ثم يذكر أن سبب الفتنة إنما هو التخلي عن كتاب الله، أو تعطيل جزء منه، إلى أن يقول: «واعلم أن علامة كفر هذه الأمة إذا تركوا الحكم بما أنزل الله … وكتاب الله جديدٌ أبدًا، لا ينطق إلا بالحق(3)، فأنشدك الله أن تتدبَّر معانيَ القرآن، وتكون مهتديًا به مخاصمًا به»(4).
«أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لتُحِلَّ الحلال وتُحرِّم الحرام، ولا تظلموا الناس شيئا، وأن يكون كتاب الله حكما بيني وبينك فيما اختلفنا فيه … وإنَّ هذه الأمة لم تسفك دمًا