مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨تلك العروبة، إن تثُرْ أعصابُها
وَهَن الزّمانُ حيالها وتضعضعَا
الضّاد في الأجيال خلّدَ مَجْدَها
والجُرحُ وحّدَ في هواها المنزعَا(1)
فليعلم المستعمرون، وكلّ من يجهل الحقيقة، أنّ العروبة هي مصدر الانتماء. ومن ثمّ فهي التي تقرّر ماذا تصنع، وكيف تتحرّك، وبماذا تشير … :
وتعلّم المستعمرون حقيقة
تبقى لمن جَهلَ العروبة مرجِعَا
دنيا العروبة، لا ترجّح جانبًا
في الكتلتين، ولا تفضّل موضِعَا
للشّرق، في هذا الوجود رسالة
علياء، صدّق وحيها، فتجمّعَا(2)
إنّ القصيدة كلّها تنضح تمسّكًا وتعلّقًا بالعروبة، وتصرخ عاليًا: لا أصل للجزائر سوى هذه الأرومة. آلامها وآمالها، إرادتها وإدارتها، جراحاتها ونداءاتها، توجّهاتها ووجهتها … كلّها عربية. إنّ الانتماء عربي إسلامي، والهوية عربية إسلامية.
إنّ تمسّك الشّاعر بالأصالة، وتشبّثه بالانتماء يفرضان على شعره دومًا حضور كلمات أو معانٍ أو مشاعر، تترجم عن هذا الشّعور أو الإحساس. لهذا نجده في قصيدة:" فلا عزّ حتّى تستقلّ جزائر" يخاطب سنة 1961م الإخوة العرب، ويؤكّد لهم أن لا عزّة ولا كرامة للعرب حتّى تستقلّ الجزائر بحريّتها، وتبعد عنها كلّ ما يمسّ أصالتها، ويخدش انتماءها. بعد أن يتجوّل بهم في ربوع بلاده، ويطلعهم على ذكرياته الحلوة فيها، ويقدّم لوحات جميلة عن هذه الأماكن، يقول لهم:
بلادي التي أعنو ــــ احتسابًا ــــــ لوجهها
وأحمل في الأرزاء من أجلها إِصرا
بلادي التي من ذوب قلبي، نظمتها
نشيدًا، فغنّى الكون ثورتها شعرا
غمست بِمطلول الجراحات ريشتي
فجاءت (رسومي) تُلهم العقل والفكرا
وواكبت في الأعماق ثورة أمّتي
ولا زلت حتّى (أرسم) البعث والنّشرا
ويا عربيًّا في بلاد شقيقة
عروبتنا .. من يستطيع لها نُكرا؟
فما حربنا إلاّ امتداد لثورة
أراد لها من كان يخذلنا خسرا
فلسطين في أرض الجزائر بعثها
فمدّوا يدًا نَحْمِ المعاقل والثّغرا
فلا عزّ حتّى تستقلّ جزائرٌ
ولا مَجد حتّى نصنع الوَحدة الكبرى(3)
2 – العروبة والإسلام
يقول مفدي زكرياء:
وُهبنَا العروبة جنسًا ودينا
وإنّا بما قد وُهبنا رضينا
إذا كان هذا يوحّد صفًّا
ويجمع شَملاً، رفعنا جبينا(4)
تناول مفدي زكرياء هذا الموضوع في إطار تثبيت الهوية، وتأكيد الانتماء. نجد في أشعاره ألفاظًا كثيرة تدور في فلك
(1) - المصدر السّابق، ص: 60.
(2) - المصدر السّابق، ص: 64.
(3) - المصدر السّابق، ص: 317 – 319.
(4) - مفدي زكرياء، إلياذة الجزائر، إعداد وتوثيق وتقديم الدّكتور محمد عيسى وموسى، نشر مؤسّسة مفدي زكريّاء، الجزائر، 2006م، ص: 63.