مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١قول رب العالمين: ﴿أَفَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَّهْدِيهِ مِنم بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾.
كما تجد ذلك الزَّيَغان عن العقيدة الإلهية، وذلك الرَّوَغان عن الشريعة الربانية في بلاد قد أناخ الفقر بكلكله عليها، غشيت الجهالة العمياء أهلها فهم في ضلالهم يعمهون، يعيشون على هامش التاريخ كما يقال، أو هم ليسوا جزءا من التاريخ أصلا وكأنهم ليسوا من بني البشر بل هم بقايا من سلالات وحوش البقر، لا يدرون فيما يحيون، ولا فيما يعيشون، ولا فيما يموتون، ﴿كَمَثَلِ الذِي يَنعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً صُمُّم بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾.
وإن تعجب فعجب أخي المؤمن إذا أنت مررت على البلاد التي كانت مهدا للرسالات ومهبطا للنبوءات، وكانت محضنا للمرسلين وموطنا للنبيئين، عبر سالف الأزمنة والقرون، وقد قامت فيها الشرائع الإلهية دهورا، واستمرت فيها الديانات السماوية عصورا حتى اصطبغ أهلها بصبغة الله ﴿وَمَنَ اَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾، وإذا الخلائق قد تغيرت، والأخلاق قد تبدلت، فصرت لا ترى من الديانات إلا رمسا، ولا من الصلوات إلا همسا، ولا من تصفح شرائع الله إلا لمسا، وقد أحيل كل ذلك إلى أرشيف القرون الغابرين، وصار من مخلفات القوم المتأخرين، فما الذي دها تلك الأقوام حتى صاروا كالأنعام، وما الذي تغير في مفهوم الديانة فكان اتباعها على حافة الخيانة، وما الذي جعل أفق شرع الله ينحسر حيِيَّا بعد أن كان ينتشر صفِيَّا؟
أيها القارئ الكريم ما أريد في مقالي هذا استقصاء الأسباب وهي عديدة لا تخفى عن ذوي الألباب، وإنما أود أن ألفت انتباه السادة المتأملين، وأفهام الإخوة المتتبعين إلى خطورة تطور الأحداث، وتغير المفاهيم، وتقلب الزمان من خلال ظاهرة قد تبدو في طرحها غريبة، وقد لا تنسجم مع أفكار كثير من الأحبة القارئين، ولكنني أرى – والله أعلم فيما أرى – أنها من الأسباب البعيدة ولعلها القريبة التي أودت بالأوضاع إلى هذه الحالة المزرية التي تئن البشرية جمعاء تحت وطئتها،