مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٢

وتتجرع الإنسانية جمعاء مرارتها في ألم شديد، وجرح صديد، وزمن مديد، وذلك لمّا حادت الأنظار عن المقصد الحقيقي من كتاب الله، وحالت الأفكار عن المظهر الإعجازي الأول من كلام الله الذي يتمثل في الحقيقة المثلى حقيقة الهدى أو حقيقة الهداية.

إننا لن نستطيع أبدا أن ننكر قوله تعالى في وصف قرآنه: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، وإننا لن نقوى جميعا أو أشتاتا أن نغفل عن الوجوه العديدة المختلفة التي جاء بها القرآن الكريم على وجه الإعجاز والتعجيز إلى يوم الدين، وإنما الذي بدا في العصور الأخيرة- عن قصد أو عن غير قصد- نوع من التوجه إلى الاهتمام إلى حد المبالغة والإغراق ببعض أنواع من الإعجاز القرآني في غفلة عن أهم إعجاز فيه، بل هو أوله وأعلاه، وأعزه وأغلاه، وما جاء القرآن الكريم منزلا من قبل مولاه إلا لتجسيده في واقع البشر المعيش إبرازا لعظمته، وإجلالا لمكانته.

لقد ظهر هذا الاهتمام من طرف بعض المسلمين عن نية حسنة تظهر مدى تقديرهم لكتاب ربهم الكريم، وما يزخر به من صنوف الإعجاز التي لا تحد، وما يزهر به من أوجه التحدي التي لا تعد، تباهيا وتفاخرا على كل من طغى وتجبر، كما بدا هذا الاهتمام من قبل كثير من أدعياء الإسلام أو أعدائه المتربصين له – والله أعلم بالمقاصد والنوايا- توجيها للأنظار إلى بعض حقائق علمية، ومظاهر كونية، وظواهر فلكية، وأرقام حسابية، وأغراض بيانية، وأسرار بلاغية، ولِمَ إلى نغمات صوتية، ومسابقات دولية، وكان التركيز عليها بصورة عجيبة، وفي هذا التركيز ما فيه من تصريف الأنظار عن المقصد الأول من إنزال الكتاب وهو الهدى، وتحريف الأبصار عن الهدف الأمثل من إرسال الرسول وهي الهداية، حتى لا يكترث المسلمون بكتابهم فيزهدون في تعاليمه التي لا توجد إلا فيه، كما يصرف عنه غيرهم؛ إذ يجدون فيما عندهم من صنوف المعارف، وفنون العلوم ما فيه الغُنية والكفاية، وقد ملكوا نواصيها وصاروا روادها السابقين، وإن قد تردّوا -في نظر الوجه الإعجازي الحقيقي للقرآن الكريم- إلى أسفل سافلين.

٢٤ / ٣٤٢