مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨والارتباط به. ولا تأويل لهذا غير إظهار الولاء له، وتأكيد الانتماء له. والولاء والانتماء مظهران للهوية.
كتب الشّاعر سنة 1956م، يناجي وطنه من غياهب السّجن المظلم، الذي نزل به إلى هذا المكان؛ لأنّه أحبّه وأغرم به، وذاب فيه وهام. فعمل بما يعين على تحريره من أيدي الغاصبين، وتحييده عن سُبُلِ الضّيم والحيف والعسف. فَأُبْعِدَ عنه إلى ظلمة السّجون، فقام يناجيه مناجاة الحبيب، أبعد عن حبيبه، ويهمس إليه همس الرّوح للرّوح … كتب يغازله:
وربّ نجوى كدنيا الحبّ دافئةٍ
قد نام عنها رقيبي، ليس يسترقُ
عادت بها الرّوح من (سلوى) معطّرةً
فالسّجن، من ذكر (سلوى) كلّه عَبِقُ
سلوى، أناديك سلوى، مثلهم خطأً
لو أنّهم أنصفوا، كان اسمَك الرّمقُ
يا فتنة الرّوح، هلاّ تذكرين فتًى
ما ضرّه السّجنُ، إلاّ أنّه وَمِقُ
هل تذكرين، إذا ما الحظّ حالفنا
إليك أهتفُ يا سلوى، فنتّفقُ؟
سلوى، حديثك يا سلوى يناغمني
والطّرفُ يَختانُ، لا يدري به الحَدقُ
أنفاسك الطّهرُ كالصّهباء تغمرني
دفئًا، ويُسكرني من فرعك العرقُ
سمراء، خدّرها الباري، وصوّرها
إن أرتشفْ ثغرها يفتكْ بي الأرقُ
سلوى، أناديك سلوى، هل تُجاوبني
سلوى؟؟ فإنّ لساني باسمها ذلقُ
ردّي عليّ أهازيجي موقّعةً
فقد أعارك وزنًا قلبيَ الخَفقُ
ورتّليها تسابيحًا مقدّسةً
في معبد الحبّ، يسجد عندها الأفق
يا لائمي في هواها، إنّها قبسٌ
من الجزائر، والأمثال تنطبقُ
بنت الجزائر .. أهوى فيك طلعتها
فكلّ ما فيك من أوصافها خُلق
أحبّها مثل حبّ الله، أعبدها
آمنتُ بالله، لا كُفرٌ، ولا نَزقُ
أرضُ الجزائر في إفريقيا قُدُسٌ
رحابها من رحاب الخلد، إن صدقوا(1)
تكرار الشّاعر للفظة (سلوى) دليل على تعلّقه بها، ووصفه لمظاهر الفتنة، التي تجذب قلب العاشق، برهان على غرامه بها، وتذلّله للحبيب مظهر من مظاهر التّمسّك به. استعراض الذّكريات حجّة على الحنين إلى هواه …
(1) - اللّهب المقدّس، ص: 21 – 26.