مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩إنّ الشّاعر سلك هذا الأسلوب في الحديث عن وطنه، الذي أراد الغاصب أن يسلب ويستلّ منه حبّه؛ ليعلن عن الوفاء، ويؤكّد على الولاء، ويثبّت الانتماء. وكلّ ما يفصح عن الهويّة التي ينتهي إليها الشّاعر. إنّ الشّاعر وظّف ما يحسّ به العاشق الولهان المتيّم من غرام وجوى وهوى، في تصوير مشاعره نحو وطنه العزيز الغالي، ليكشف للعدوّ أوّلا أنّه متمسّك بوطنه، متشبّثٌ به، مهما يفعل ويصنع، فليقهر وليزجر … ويقدّم للعالم ثانيًا حقيقة ما يحمله من الوفاء والارتباط بوطنه. يقول الدّكتور صالح الخرفي: " وعندما يصطدم الحبّ الذّاتي بالحبّ القومي، لا ينتج عن الانصهار إلاّ الانصهارُ في حبّ واحدٍ، يخدم الاثنين معًا، يقدم على الموت ليهب لهما الحياة. وعندما تتلاشى صورة الحبيب في صورة الوطن المعذّب المعاني، لا تتلاشى إلاّ لتلوح من جديد في وطن حرّ كريم. "(1)
4 – التّركيز على التّاريخ
كان مفدي زكرياء يذكّر بالماضي المجيد، ويسرد مناقب الشّخصيات الفاعلة في مسيرة الجزائر، ويحارب التّمرّد على الماضي، بل يقاوم التّنكّر له. ويعمد إلى سرد القيم الحضارية والإنسانية التي سجّلها التّاريخ الإسلامي. له في هذا المجال قصائد كثيرة، يمكن للدّارس أن يقف على ما تتضمّنه من إيحاءات وإشارات، تهدف إلى تحديد هويّة الشّعب الجزائري. يقرأ الباحث هذا – بخاصّة - في " اللّهب المقدّس" وإلياذة الجزائر". وفي الملحمات التي كتبها وهو يسجّل بطولات الشّعب في مختلف مراحل تاريخ الجزائر. قال مثلاً سنة 1957م عام الانتصارات في ملحمة الثّورة الجزائرية:
وإنّا أمّة وسطٌ، نصافي
مودّتنا الألى، قالوا صوابا
وإنّا أمّة المجدِ، قامت
على الأشلاءِ، وامتلأت شبابا
وعن أصلابنا قدمًا ورِثنا
دما حرًّا، وأضلاعا صِلابا
وقلّبنا من التّاريخ وجهًا
وجدّدنا لهيكله إهابا
(1) - الدّكتور صالح الخرفي، الشّعررالجزائري، الشّركة الوطنية للنّشر والتّوزيع، الجزائر، (د. ت)، ص: 311.