مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٣

فغرضهم من ذلك ظاهر بيّن وقد اتضح الصبح لذي عينين، إنما هو إبعاد الناس عن طريق الهداية والرشاد، وإبقائهم على سبيل الغواية ودرب الفساد، ولذلك تجد كثيرا منهم إذا ذكر لهم حد من حدود الله أو حكم من أحكامه في العبادات؛ كالتزام المرء بالصلوات المفروضات، ووجوب إخراج الزكوات، أو المعاملات كحرمة التعامل بالربا ووجوب ارتداء الحجاب والالتزام بقسمة الله للمواريث؛ تشمئز قلوبهم، وإذا ذكر وجه من أوجه الإعجاز البياني أو العلمي إذا هم يستبشرون.

و لا يتسع المجال لضرب الأمثلة -وما أكثرها- فحسبنا من هذه مقولة للداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي، من كتابه القيم «فقه السيرة» يقول فيها: «أما تحويل الإسلام نفسه إلى غناء فيصبح القرآن ألحانا عذبة وتصبح السيرة قصائد وتواشيح، وقد تم هذا التحول على حساب الإسلام، فانسحب الدين من ميدان السلوك، وتحول القرآن إلى تلاوة منغومة فحسب؛ يستمتع بها عشاق الطرب، وهذا الذي جعل اليهود والنصارى يذيعونه في الآفاق وهم واثقون بأنه لن يحيي مواتا … فإذا ابتغى المسلمون العمل الجاد المهيب فليطلبوه من مصادره المصفاة، قرآنا يأمر وينهى ليفعل أمره ويترك نهيه، وسنة تفصل وتوضح ليُسار في هديها وينتفع من حكمتها، وسيرة تنفح روادها بالأدب الزكي والقواعد الحصيفة والسياسة الراشدة وذلك هو الإسلام» إهـ.

فالسؤال المطروح الذي لا يزال يلح بنفسه في كل حين هو: ما هو وجه الإعجاز الحقيقي الأول والأولى للقرآن الكريم، والذي من أجله أنزله الله وضمن حفظه خالدا إلى يوم تشخص فيه الأبصار؟

إننا إذا جئنا إلى الإجابة على هذا السؤال العظيم لما أمكن لنا إلا أن نقول: إن أعظم صورة للإعجاز في القرآن الكريم، وأول ما يجب أن تصرف له الأفهام، ويولى له الاهتمام هو الهدى أو الهداية، وهذا ما يؤكده منزل القرآن في كتابه، وعلى لسان رسوله في بيانه.

أخي المؤمن إنك إذا تتبعت مادة "هدى" وما اشتق منها بمختلف صيغها في القرآن الكريم لوجدتها قد تكررت حوالي ثلاثمائة مرة، أما كلمة الهدى

٢٥ / ٣٤٢