مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٩

بياضا بين الفقرات، ولا حواشي علوية ولا سفلية، حتى إنه اضطرَّ إلى الترقيم أحيانا داخل النصِّ.

والمتخصِّصون في مجال المخطوطات، وفنِّ الكتابة، يرجعون قلَّة البياض إلى أسباب عديدة منها:

- الخوف من التحريف أو الإضافة. كما في الخطِّ الغباري.

- عدم توفُّر الورق، أو غلاؤه.

- ضعف الإمكانات المادية للكاتب … يقول القلقشندي: «وأمَّا الحواشي، فبحسب اجتهاد الكاتب في السعة والضيق»(1).

ولكنَّنا نرجِّح أنَّ حجم الورق الصغير – كما ذكرنا – هو الذي اضطرَّ البكريَّ إلى استعماله كاملا، ونجد مثل هذا التبرير في صبح الأعشى، فنقرأ أنَّ مقدار البياض يختلف «باختلاف قطع الورق، فكلَّما عظم قطع الورق، كان البياض فيه أكثر»(2).

وثمَّة سبب آخر، وهو كون البكري قد تعامل مع اللغة الفرنسية، وطالع بها، ومعلوم لدى الفنيين في الطباعة أنَّ الكتاب الفرنسيَّ أميل إلى الحجم الصغير من الكتاب العربي، وينتج من هذا صغر الخطِّ والبياض؛ ولقد تركت "ثورة كتاب الجيب" آثارها في الثقافة الغربية، ولا تزال(3).

وأحيانا يعمد الكاتب إلى وضع عناوين للفقرات أو المواضيع هامَّة، ليجمع بذلك بين التأليف التاريخي، والمذكِّرات اليومية. والغالب استعمال اللون الأحمر في كتابة التاريخ والعنوان، ليسِّهل على نفسه وعلى القارئ عملية البحث. أمَّا التشطيب فقليل جدًّا.

وكلُّ هذا ينمُّ عن شخصية واثقة بنفسها، غير مضطربة، وعن عقلية منظَّمة، لها مسار بيِّن، ورسالة واضحة في الحياة. ولقد يتجاوز أحيانا فيبالغ في التنظيم والتدقيق إلى حدِّ القسوة على نفسه وعلى الآخرين(4).

(1) _ القلقشندي، أحمد بن علي (ت. 821هـ/1418م): صبح الأعشى في صناعة الإنشا؛ تح. د. يوسف علي الطويل؛ دار الفكر، دمشق؛ 1987م؛ (قرص الأدب)؛ ج6/ص186.

(2) _ نفسه.

(3) _ انظر- Gue Decart: J`ose.

(4) _ ليس أدلَّ على هذه الدقة التي قد تبدو شديدة، من المحاورة التي أجراها البكري مع الأستاذ باحريز إبراهيم، حول طبع كتاب "قواعد الإسلام"، يقول: « … بعد أن التقيت مع الأخ إبراهيم باحريز ألقيت عليه أسئلة طلبت منه جوابها: متى يكون الشروع في العمل؟ هل لديكم الكاغد اللائق؟ وهل لديكم حروف الرقعة للعناوين؟ بأي الحروف يكون الأصل والتعليق؟ وهل العناوين العامة موجودة … المفاهمة مع المصفف، تحضير الملازم وتصحيحها، إلى غيرها من الأسئلة التي تتعلَّق بالموضوع» ص15.

٢٤٢ / ٣٤٢