مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٠الأمة الواحدة وتطعيم مسالكها، كانت الجدار الصلب الذي يوقف دوما عمليات تحلل الشعوب و الذهاب بخصائصها. … و الأمة الجزائرية بواقعها الثقافي اليوم، وهي سائرة في فلك العولمة الثقافية قد تسري عليها قوانين الانصهار نحو هذه العولمة إذا لم تتكاتف القوى المعرفية والسياسية بعد ذلك على حفظ هويتنا ومقوماتنا الثقافية.
إن الثقافة الجزائرية بمكوناتها التاريخية والعقدية والاجتماعية لا تزال تتدحرج بين أهلها وفي دواليب الثقافة المحلية بين الشك أو التشكيك و اليقين. ولم تجمع الطبقة المثقفة بعد على أرضية معينة تكون أساسا لهويتنا وقاعدة لبناء مقوماتنا الحضارية. وما ذلك إلا لقصور فينا حول تفعيل عملية البحث عن الذات في تاريخنا الطويل.
والنظر والتمحيص في جانب من جوانب هذه الثقافة، و محاولة اكتشاف حقائق الماضي، والمزاوجة بين التراث والحداثة لدعم هوية الحاضر والمستقبل، و تمكين الجيل الجديد أن يعرف مركزه من الوجود الانساني ليتسنى له المشاركة في النظام العالمي الجديد، بما يمتلكه من رؤى واضحة حول ماضيه وعاء مقوماته، هو موضوع هذا البحث. والهدف منه استكناه المناطق الموصوفة سلفا بالهيمنة الروحية في ثقافتنا التي لا تزال تصنع دلالات الانتماء الحضاري و التمايز الثقافي.
لقد باتت هذه الدلالات التي تربطنا بالانتماء و التاريخ و القيم محل جدل متعددة الأوجه مع واقع عملية التجديد التي سادت أيام الحركة الإصلاحية الجزائرية. وفي واقع مجتمعاتنا اليوم. ومن ثم أضحت بادية للعيان ظاهرة ثنائية البنية الفكرية للمجتمع الجزائري على كافة المستويات. وعليه كانت هذه الرؤية أساس بناء اشكاليتنا. حيث ماانفكت عن أذهاننا ضبابية مزمنة لازمتنا منذ الاستقلال، وهي غموض طبيعة العلائق بين دعاة الإصلاح في تاريخنا الحديث. ولا سيما بين أطياف تيار دعاة النهضة من المصلحين أنفسهم. حيث ينتهي بنا المطاف نتيجة ذلك الصراع بعد الاستقلال أن خلعنا أهم مقومات وجودنا من ثقافتنا و ذهنياتنا، وهو انتماؤنا الأفقي الروحي و مرجعيتنا الفكرية العمودية. وهي الوحيدة القادرة على ضبط مسالك التفكير لدينا نحو التفاعل الجدي مع العولمة الثقافية اليوم.