مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠١ومنهجنا إلى آخر هذا البحث الابتعاد عن الأساليب التمجيدية لمرجعيات أحيطت في تاريخنا الجزائري الحديث بالتقديس، بل هو البحث عن تلك الحلقات المفرغة التي صنعها قلم جيل الاستقلال بحكم ارتباطه الوجداني مع تلك المرجعيات المقدسة في نظرهم وتبعهم في ذلك عامة الكتاب.
المحافظون والمجددون، الثنائية السننية:
إن المستقرئ لتاريخ الجزائر الحديث، يراوده شعور بالإعجاب المفرط تجاه شعب لم يعرف منذ دخول الاستعمار الفرنسي أرضه، سوى قوة الجأش و صدق العزيمة في مقاومة محتل كان الأشرس في مسيرة الاستعمار الحديث. مقاومة تعددت أشكالها و تنوعت طرقها بحسب طبيعة الصراع القائم من أجل الأرض، وهو التنوع الذي ناسب خطط الفرنسيين حينما فرضوا منذ دخولهم الجزائر طوقا عسكريا و فكريا و عقليا على بؤر التوتر في المدن … والقرى، وحول الزعامات الروحية و الفكرية في الجزائر.
ولقد لجأت الجزائر، بعد تلك الثورات المسلحة الأولى تحت راية الطرق و الزوايا(1) المعارضة للحكم الفرنسي، إلى لون آخر من ألوان الصراع من أجل الحرية. وتحمست له أطياف من المقاومين متجهة صوب ممارسة النشاطات الاجتماعية والثقافية في سائر العواصم الجزائرية. وهي فيما يبدو وسيلة رأتها النخب والقيادات الروحية والسياسية الجزائرية مناسبة تماما لطبيعة المرحلة، و لاسيما بعد تلك النهضة التي سرت في حياة الشعوب العربية آنذاك. وخصوصا ظهور الحركات الإصلاحية الرافضة للمستعمر في المشرق العربي(2).
وبوحي من روح النهضة، أدرك الجزائريون أن البون شاسع بين واقع الوعي السياسي والاجتماعي عند الشعوب العربية في المشرق، و ماهو عليه الحال في المغرب العربي. الذي قوض الاستعمار فيه حركة الفكر والوعي منذ
(1) ـ المواقف السياسية بين الإصلاح والوطنية في فجر النهضة الحديثة، محمد قنانش. الجزائر: الشركة الجزائرية للنشر والتوزيع. ص99.
(2) ـ انظر تفصيل ذلك في تاريخ الصحافة في الجزائر، الزبير سيف الاسلام. الجزائر: المؤسسة الوطنيةللكتاب،1985.ج 4 ص23و ما بعدها.