مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢الوهلة الأولى. وسلط عليه ثقافة الجهل مستحكما لمنافذ المعرفة جميعها. فتحولت الحياة العقلية لشعوب المغرب العربي إلى عقيمة مجدبة. فكانت أولى خطوات السعي نحو استيعاب القضية الوطنية وكشف جرائم الاستعمار، أن أوجد الجزائريون لأول مرة النوادي الثقافية وأسسوا الجمعيات الإصلاحية وأنشؤا صحافة وطنية ورفعوا شعارات التحرير مطالبين بالتعليم الذي كان أول بنود قوانينهم التأسيسية.(1)
و لقد كان الإلحاح على التعليم شديدا. ففي المجالس المحلية والمحاضرات والعرائض والصحافة، كانت هذه القضية تشغل اهتمام المصلحين و دعاة النهضة في الجزائر. مطالبين الاستعمار بفتح المجال للتعليم و إنشاء المدارس. واستمرت دعواتهم زمنا ليس بالقليل، وإلى أيام العلامة ابن باديس.
وقد درج بعض الكتاب والمثقفين منذ زمن الحرية و الاستقلال إلى اليوم، بلا وعي أو تمحيص، ومن باب الاجترار التارخي، إلى تلخيص حركة دعاة الإصلاح في الجزائر بعيد الثورات الشعبية وجمعها في محور محرك واحد، في شخصية رائد النهضة الجزائرية الامام ابن باديس. وغفلوا عن محاور أخرى كانت لها قوة الحركة نفسها و قوة الأثر ذاته(2).
و اختزل هؤلاء جذور عميقة وأساسات متجذرة وفروع يافعة في عملية الإصلاح داخل المجتمع المستعمر آنذاك. كانت تشكل في واقها الثقافي والاجتماعي والسياسي حجر الأساس لما انتهت إليها حركة الشيخ ابن باديس. سواء على مستوى البنية الفكرية لمشروع النهضة من أصول التغيير ومنهج الإصلاح، أومن جهة القاعدة الشعبية بعد ذلك. مما جعلت حركة هذا الأخير تطغى على سائر الحركات الأخرى عند كتابناوهم يؤسسون لأبجديات الشخصية الوطنية للدولة الجزائرية الحديثة.(3)
(1) ـ انظر تاريخ الصحافة في الجزائر، الزبير سيف الاسلام. ج 4 ص27 إلى 33.
(2) ـ انظر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين و علاقتها بالحركات الجزائرية الأخرى. عبد الكريم بوصفصاف. الجزائر: منشورات المتحف الوطني للمجاهد ،1996.
(3) ـ انظر إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس، عبد القادر فوضيل ،محمد الصالح رمضان. الجزائر: دار الأمة ، 1998. ص17 و ما بعدها.