مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

وإذا ما تصفحنا أيام المصلحين الجزائريين في تلك الحقبة بعمق و روية. ونظرنا تاريخ الحركات الأولى عمقه و سطحه. وقلبنا مادتنا الخام المستنبطة من تلك الرؤى. لوجدنا قطبية الحركة في تاريخنا التحرري الجزائري الحديث زعمًا بلا دليل و قولاً بلا برهان. بل نجد أنفسنا أمام ثنائية التكتل السننية الأزلية عند دعاة التغيير عبر التاريخ؛ ثنائية متشكلة من محافظين لمقومات أصل الوجود والتجمع المميز ومجددين لتلك المقومات و الأصول. وقد ساد هذا التقسيم كذلك كحقيقة حتمية منذ الوهلة الأولى في عملية الإصلاح عند أسلافنا من دعاة التغيير أيام الحركة الإصلاحية الجزائرية الحديثة، و ستظل مستمرة إلى ما بعد ظهور ما يعرف بالعلماء في تاريخ الجزائر.

إن دعوى المحافظة على الأصول التراثية أو تجديدها في مواجهة الحياة، كانت وما زالت ثنائية جبرية مرتبطة أساسا بالتفكير الانساني بمجموعاته المتناقضة. وليس لهذه الثنائية الفكرية في عملية الإصلاح الجزائرية الأولى أن تختفي عند مثقفينا المعاصرين في كتاباتهم التأصيلية وبحوثهم التحليلية، إلا لقصور في عملية بحث و إدراك طبيعة معركة الإصلاح بين الجزائريين. فليس هو الصراع من أجل الصراع، بل هو الاجتهاد من أجل الحقيقة وإنزال هذه الحقيقة إلى أرض الواقع حيث الصراع من أجل البقاء.

وإن كان جميعنا يسعى لأن يستقرئ التاريخ من أجل ما نتركه لأجيالنا من معالم يستضيء بها. فإنه فرض على عقولنا أساسيات البحث العلمي الصائب، أدناها أن ندرس تارخنا من موقع الواصف الحصيف، و مما توفر لنامن وثائق تاريخية. وأعلاها خدمة الحقيقة … و تقدير شعب قاوم بسائر عقلياته المتعددة حقد المستعمر.

و قد فاتتنا كثير من الأمم في إداك هذه الحقيقة بل مازلنا لم نتجادل حولها بعد. فهؤلاء المقعدون للفكر الاستعماري من الفرنسيين آنذاك أدركوا وما زالوا، طبيعة تنوع المرجعيات الفكرية الإصلاحية في حركة النهضة الجزائرية المتنامية. فأوعزوا للمنظومة الاستعمارية طرق الاختراق لافساد تلك المرجعيات من الداخل، أو تشويهها من الخارج في أسوأ الأحوال. مثلما فعلوا مع الفكر النخبوي والطرقي في تاريخنا الحديث.

٢٦٢ / ٣٤٢