مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٦

الخفي الذي خفي على كتابنا، والذي ما فتئ دوما يجلي قانون الاجتماع البشري المتغير المنقسم على نفسه. فيصنف المنتمين للفكرة الواحدة إلى مجددين ومحافظين.

وكأننا في هذه الحقبة من تاريخ الحركة الإصلاحية الجزائرية، نكاد نجزم بانقسام المحافظين بدورهم على أنفسهم إلى مجددين نخبويين مناهضين للموروث القديم مطالبين بالتغيير على غير ما ألفوا منتهجين سبل الإصلاح المشرقية. وإلى محافظين على ذلك الموروث المقدس، تقليديين يرون في النموذج الجزائري الموروث أجدى طرق التغيير وأنفعها للمجتمع بما يوافق مبادئ الأمة وأصولها.

و قد شاع بين العلماء والمثقفين المجددين من طبقة المحافظين، ولاسيما من سار في فلك فكرة الإصلاح المشرقية، أنهم يشكلون الفئة المميزة في المجتمع الجزائري حسب تصورهم. ويذهب من الجهة الأخرى زعماء الدين غير المنتمين لفكرة الإصلاح، والصوفيون من أصحاب الطرق على وجه الخصوص، وهم من المحافظين كذلك، إلى الفخر بمنهجهم الروحي العريق. ويرون في الفكر الصوفي النقي الأصيل قبل أن تخترق بعضه السياسة الاستعمارية الفرنسية، أنه يشكل كل المنظومة الثقافية والهوية الحقيقية للشعب الجزائري، في المدن و القرى و في الشرق و الغرب على السواء.

فهذه إذن صورة من انشقاق جديد في طبقة المحافظين في ظل فكرة الإصلاح المتنامية. ولاسيما في الشرق الجزائري، وعلى أيام ابن باديس خصوصا. حيث نشطت عملية الإصلاح … و اتسعت، وانزوى مصطلح المحافظين في حقيقته وصار علما على التقلديين. وأخذ يقابله من الجهة الأخرى مصطلح المجددين. وإن شئت قل بميلاد جديد في تاريخنا الإصلاحي للمصلحين والمحافظين.

ثم إذا ما نظرنا إلى الواقع الايديولوجي لدى طبقة المحافظين الأولى قبل انشطارها المقابلة لفئة النخبة، فإنا نلاحظ فيها منذ بداية نشاطها تلك الأفكار المشرقية المستوردة. و قد بدأت بالسيران في أوصال الفكر الإصلاحي الجزائري الحديث، وما لبثت أن أخترقت منظومته بقوة من الداخل بعد نجاح الحركة الوهابية في بلاد الحجاز. وانتشار فكرة الإصلاح والتجديد في الوطن العربي تحت لواء

٢٦٥ / ٣٤٢