مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٥

الأصناف من العلوم والفنون مما تقتضيها طبيعة الغريزة البشرية التي استودعها أصل الإنسان، يوم أن علّم آدم الأسماء كلها فتسلسلت مع نسله، فكانوا يعملون بمقتضاها تلبية لرغباتهم التي لا تعد، وإشباعا لنهماتهم التي لا تحد، ومن ثم كان الملائكة الكرام في غفلة عنها لأنها لا تتعلق بالدينونة لله والعبودية للخالق فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، وهم من هم في عبوديتهم لله ﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ﴾.

على أن العلوم مهما تقدمت والفنون مهما تنوعت فلن تكون إلا مصدقة لما جاء في القرآن الكريم، لأنه الحقيقة الكونية الأزلية التي لا تتبدل، ولن يكون القرآن إلا حجة عليها، ولن تكون أبدا حجة عليه، وإن الزمان مهما تبدل، والمكان مهما تحول لن يغيرا من عنصر الهداية شيئا مطلقا.

وإليك أخي المؤمن هذه الصورة الرائعة التي تمثل الهدف الأول والغاية المثلى من كتاب الله، في هذا الذي قاله سيدنا جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة إذ قال: «أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف – وهذا الذي كثر وشاع في جاهلية القرن الواحد والعشرين بأكثر مما كان عليه في جاهلية القرون الغابرين - ويواصل سيدنا جعفر فيقول: فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا».

٢٧ / ٣٤٢