مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٦

وهذا ما ينقص العالم اليوم فكان يعيش حياة الضنك في ظلمات ﴿بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتُم بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ اِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ، لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، لأنه يفتقد إلى النور الذي أنزله الله ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ، نُورًا فَمَا لَهُ، مِن نُّورٍ﴾.

هذا هو النور، نور الهداية الذي أحال عمر من مشرك جبار خرج متوشحا سيفه ليغتال الرسول الأعظم، إلى مؤمن صادق يأبى أن يعبد الله سرا في دار ابن أبي الأرقم، والذي جعل أولئك الأفذاذ الأوائل من الصحابة الأفاضل يبلغون ذرى الكمال، ويرتقون سنام المجد الذي عز ما ينال، ويكونون سادة الأنام، وتطأ سنابك خيلهم بلاد فارس، ووهاد الروم، ورحاب أفريقيا، ويتربعون على عروشها في بضعة أعوام، وتحتضنهم الأمم والشعوب حيثما حلوا ضاحكة مستبشرة، فيكونون أعظم دولة في التاريخ بلغ ملكها مغرب الشمس ومطلعها، وساسوها دهرا في أمن وسلام، في حين لم تكتشف من هذه العلوم الحديثة شيء، وما كان لهم فيها من شرك وما لهم منها من ظهير.

إنها معجزة الهداية التي حلت وطيدة في القلوب، فحولتها نفوسا أمينة وقلاعا حصينة، وأسودا هصورة، يقول الأستاذ خالد محمد خالد -صاحب الكتاب النفيس «خلفاء الرسول»، الذي أنصح كل واحد بقراءته، والذي قال عنه الشيخ بيوض رحمه الله يوم أتم قراءته: «يشترى بوزنه ذهبا» - قال في سياق حديثه عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: «ذلك لأنه ينظر حواليه فيرى إمبراطوريات تتهدم، وعروشا تنهار، وشعوبا ذليلة تصحو وتتحرر، ثم ينظر بيد من يتم هذا العمل الجليل، إنه يتم بأيدي الرجال العاديين، الأميين والفقراء والبسطاء، الذين آمنوا بمحمد واتبعوا النور الذي أنزل معه، هؤلاء إذن هم قوام الحياة الجديدة».

وسائل نفسك مرة أخرى عن حال العالم كله بل عن العالم الإسلامي اليوم، في عصر بلغت فيه العلوم غاية لم تسبق، وتمكن من أسباب الغنى بما لا يلحق، فلن ترى إلا هولا، ولا تسمع إلا فزعا، ولا تعيش إلا ضنكا، وذلك لما أبعد عن منهجه عنصر الهدى، وعن سبيله مفهوم الهداية التي جاء بها كتاب الله على وجه الإعجاز

٢٨ / ٣٤٢