مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٢واسع عمقته الظروف التاريخية وأساليب التفكيرالحادة.
وما يزال كتابنا لم يدركوا بعد هذه الحقيقة التاريخية بفواصلها في هذه الحقبة من تاريخنا الحديث. إذ صار من البديهي عند أغلبهم، وهم يسردون الوقائع التاريخية ويروجون مناقبها ويكررونها بلا وعي أو إدراك لما يجب أن تكون عليها الدراسات التحليلية الموضوعية، أن طائفة الإصلاحيين الجدد من أتباع جمعية العلماء المسلمين وعلى رأسها الإمام ابن باديس، تناقض طبقة المحافظين من مشايخ التصوف وسائر علماء الطرق على وجه التحديد إلى درجة التباين والتناقض والاختلاف في الأصول الكبرى للإسلام نفسه.
هذا الانزلاق التأليفي والخطأ من عامة كتابنا، كان له دوافعه التي جعلته يطفو من غير غربلة على سطح عدد ليس بالقليل من البحوث التحليلية التاريخية والفكرية والدعوية. … ولعل أشد الأسباب ظهورا والتي أدت إلى هذا الاتجاه، غلبة الخطاب الإصلاحي النخبوي في تلك الفترة، القائم أساسا على الترويج لفكرة الإصلاح بدل المنهج الصوفي المتهم بالعمالة للاستعمار. ومحاربة الطرق ومشايخ الصوفية بلا هوادة من قبل علماء الجمعية، وخصوصا أيام الشيخ البشير الابراهيمي الذي لم يفصل بين الغث والسمين كما هو الحال في منهج ابن باديس. و قد انعكس هذا الخطاب على كتابنا سلبا جازمين الصحة والصواب للتيار الإصلاحي، وعازفين عن القراءة والتنبه لما يذكره الطرف المقابل.
كما أن مذهب التصوف عند المصلحين، كممثلين للمذهب السياسي الظاهري، وسواء عند المشارقة منهم أو المغاربة، يرونه من وجهة النظر الفقهية والعقدية منهج ينتابه الخلل والخطأ والبعد عن الحق. ولايكادون يعترفون بشيء منه كحقيقة تاريخية لها تأثيرها في الفكر الاسلامي إلا ما كان منه قبل القرن الخامس الهجري. وما بعد ذلك وضع عندهم تحت اسم التصوف الفلسفي المذموم.
وفي المقابل تقهقر تيار المحافظين الجدد، بسبب انحرافات في بعض جوانب فكره نتيجة الاختراق الاستعماري الذي أشرنا إليه سابقا. فأضفت كل هذه الأسباب بظلالها على ما تتركه أقلامنا من انطباع غير جاد. و كأنها حلقة أخرى من حلقات المد والجزر بين الحقيقة والوهم.