مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١٣ولعل عدم النظر في النصوص والوقائع التاريخية بواقعية الباحث الحصيف، يبقى في النهاية العلة التى أوقعت الكثير في هذا الحكم. فلا ضير من التمييز بين الحقائق التاريخية … وبين قراءة المثقفين للتاريخ. وخصوصا قد لوحظ ما يفوق التسعين في المائة من الدراسات حول حركة الإصلاح الجزائرية، يحكمها لهيب العواطف وتندر فيها نبرات العقول، بسبب القراءة غير الواعية والرواسب الفكرية حول الفكر الإصلاحي الحديث.
إن المبادئ الدينية والوطنية والقومية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكذا تعاليمها في التربية والتعليم، لا يمكن حجبها أو طمس معالمها. لأنها حية في وجدان الأمة، حاضرة في ذاكرتها. و لكن هذا التقديس لجانب من جوانب ثقافتنا، لا يمنعنا من إعادة قراءة الذات، وكشف أغوار تاريخنا الحديث كما فعلت الثقافات المعاصرة اليوم.
إن واقعنا التاريخي في الجزائر يثبت أمرين ما تطرق الريب فيهما إطلاقا؛ المحافظون التقليديون، من علماء التصوف وسائر طرقهم في الجزائر، والعلماء الذين لم ينضووا تحت راية الإصلاح، إنما استمدوا فلسفة تدينهم ورؤاهم التغييرية نحو إحداث الإصلاح من أصول جزائرية مغاربية محلية موروثة منذ العهود الأولى. أيام أئمة الأصول والعقائد والأخلاق. وهذه الرؤية عندهم هي الاسلام الرفيع. الممثل في المنهج الفقهي المالكي الأشعري الصوفي. والقائم على العلم والتربية والتهذيب والسلوك، فهو عندهم أساس إصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع.
أما الثاني من الأمر، فإن علماء الجمعية من الإصلاحيين يعدون بذواتهم ثمرة نظرات تغييرية مزدوجة في منبتها ومنشئها. جامعة بين الموروث من الأصول وبين المناهج الممتزجة المستمدة من المشرق العربي الواسع. بدءا بالحركة الوهابية في أرض الحجاز، ومرورا بأفكار الأفغاني السياسية، وانتهاء بمنهج محمد عبده ورشيد رضا التربوي(1). بل لقد بلغت درجة التمسك بهذه الأخيرة إلى حفاظ رجال الجمعية على وصف حركة الجزائريين النهضوية كما عرفت في المشرق باسم حركة الإصلاح.
(1) ـ منهجية التغيير عند عبد الحميد بن باديس، سامية جفال. رسالة ماجستير. ص13.