مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٧

العربي(1). وقد أسس هؤلاء المشايخ على طريقة أرباب التصوف مدارس عريقة في مذهب السلوك عرفت بين الناس بالطرق. كان لها تأثير مباشر على منطقة الغرب الجزائري. ومن أشد نتائج هذا التأثير ظهورا قلة حماس سكان الغرب الجزائري للفكر الإصلاحي لسطوة هذه المرجعية الروحية على نفوسهم، والتمايز الكبير بين المنهجين بعد ذلك.

أما في الشرق الجزائري فقد عرفت حركة الإصلاح وعرف تأثيرها الشديد كما هو معلوم. وقد استطاعت أن تدحض ـ إذا ما استثنينا منطقة الصحراء ـ أكثر معاقل التصوف شهرة وذيوعا، سواء في المدن أو القرى. وشوهت حقيقة التصوف وعطل نشاط الزوايا إلا ما بقي من عملية تحفيظ القرآن الحكيم.

فبين الشرق والغرب الجزائري حدود فاصلة من التفكير. وتأثيرات حركة الإصلاح على الشرق يفوق تأثيرها على الغرب بمساحات واسعة. وذلك يعود لطبيعة التأثر والتأثير بأفكار الإصلاح السلفية المشرقية المحاذية للشرق الجزائري من طريق جامع الزيتونة التونسي.

إن توافد علماء المشرق إلى جامع الزيتونة، وتتلمذ الجزائريين من سكان الشرق على أيديهم، كان سببا لظهور طبقتين من علماء النهضة الجزائريين. المصلحون، وهم نتاج أفكار الإصلاح المشرقية. والمحافظون التقليديون من أصحاب الطرق الصوفية، وهم نتاج الفكر الجزائري المغاربي الخالص.

أما المحافظون الجدد، وهم يمثلون أعيان التصوف وعلماءه ورؤساء الطرق الصوفية، فلم يكونوا بعيدين عن مسار الإصلاح في الجزائر كما يصور ذلك الدارسون والكتاب فغلبة تيار الإصلاحيين على المستوى الإجتماعي، وبخاصة الطبقة المثقفة حاملة لواء النهضة والإصلاح، سبب ذلك التوهم الذي طغى على أغلب الدراسات الحديثة كماأشرنا. فأكثرهؤلاء المصلحين ممن له صلات بالحركات الإصلاحية بالمشرق التي ساندت الحركة الوهابية في مبادئ العقيدة ونبذ التقليد ومحاربة الطرق الصوفية على الخصوص. فكان أن اتجه علماء الجمعية للتعريض والتشويه الشديد

(1) ـ انظر كتاب طبقات الصوفية لعبد الوهاب الشعراني و سائر كتب الطبقات بأنواعها.

٢٧٦ / ٣٤٢