مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٤لأطروحة إسلامية في التغيير، تبدأ بتعليم الفرد وتربيته ثم تعليم المجتمع وتربيته ضمن نسق تنظيمي دقيق، ينتهي باستهداف إقامة بناء اجتماعي شامل للإسلام، قادر على عملية النهوض ونبذ التخلف الاستعماري.
وإن طريقة تنفيذ الامام لطموحاته الإصلاحية هته، قد خالفته فيها كثير من الاتجاهات الإصلاحية في العالم الاسلامي وقتئذ. وواجهته جملة من الدراسات الحديثة اليوم بالنقد الشديد على ضوء سنن التغيير الكونية والاسلامية(1). وكان التيار الصوفي المحافظ من الذين لم يرتضوا ذلك المنهج الذي اختارته جمعية العلماء لنفسها.
وقد يحلو لأكثر المثقفين ممن لم يخبروا حقيقة ابن باديس، أن يصوره شيخا متزمتا وعالما محدودا حين الحديث عن موقفه من الصوفية وتيار المحافظين عموما.
و حقيقة العلاقة بين ابن باديس والطرق الصوفية قد غلط فيها كثير من الكتاب. … وظنوا أن الصراع القائم بين أفراد جمعية علماء المسلمين كالابراهيمي والعقبي والتبسي وغيرهم، وبين مشايخ الصوفية والعلوية على وجه التحديد، هو امتداد لمنهج ابن باديس في مواجهته لبعض الطرق الضالة.
و قد ينتاب الباحث كثير من الأسف حين يطالع البحوث التي تؤرخ للجزائر، وما تتركه الرسائل الجامعية على وجه الخصوص اليوم، وهي تردد دونما وعي ماجاء به الكتاب حول طبيعة العلاقة بين الإصلاحيين وأرباب الزوايا الجزائرية. بل يذهب بهم التقليد الأعمى إلى مسايرة الكتابات المشرقية دونما تمحيص أو تدقيق فيما تنشره عن تاريخنا الإصلاحي … وشخصياته المتعددة(2). واتباع مناهج خاطئة في
(1) ـ تفصيل ذلك عند مالك بن نبي في شروط النهضة صفحة 29 و ما بعدها في معرض حديثه عن أسباب الفشل التي صاحبت جمعية العلماء زمن ابن باديس،: «ربما كان عام 1936 هو القمة التي بلغها روح الكفاح و الإصلاح الاجتماعي، وهي نفسها القمة التى هبط منها الإصلاح إلى هاوية لا قرار لها >>.
(2) ـ لقد ذهب الغلط بالمشارقة و هم يؤرخون لحياتنا الإصلاحية مذهبه، و أخطؤا حتى في أسماء الأعلام المصلحيين وانتماءاتهم السياسية والمذهبية، ناهيك عن ضعف التحليل والتغليط المباشر لطلبتنا وبعض كتابنا حول أجزاء هامة من تاريخنا اللاصلاحي لم يولج بالبحث بعد.