مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٥البحث التاريخي لاستقصاء الحقائق، كالاستشهاد بما جاء في جرائد الجمعية نفسها وهي طرف في صراع حاد حول نبذها لتلك الطرق ومحاربتها لمذهب التصوف. وكذلك عدم التمييز بين مرحلتين هامتين من مراحل جمعية العلماء؛ مرحلة ابن باديس ومرحلة الابراهيمي.
إن القارئ ليستنتج من تلك الكتابات التناقضات العميقة، ولعل أقلها هنا حول مذهب الطرق بأنواعها وعلاقتها بمدرسة التصوف عند الجزائريين. ودور هؤلاء الرائد في حفظه مقومات الشخصية الجزائرية من الزوال. ثم يقابل ذلك جهود ابن باديس في إلغاء دور هؤلاء المتصوفة والطرق جميعها من غير التمييز أو التفريق بينها.
إن المتتبع لمسيرة ابن باديس التغييرية كإمام للإصلاحيين، يراها تخلو تماما من هذا الصراع الموهوم مع طبقة المحافظين الصوفية في الجزائر. على اعتبار أن التصوف ظاهرة دينية في الملة الاسلامية. نشأ منذ القرن الأول الهجري وامتد في العالم الاسلامي شيوعا وتمكينا. وهو كسائر العلوم الدينية الأخرى والمذاهب الاسلامية يعد مدرسة لها واقعها في تاريخ الفكر الاسلامي القديم والحديث.
إن سنن التغيير الكونية كما حكمت على الفكر الظاهري بالتجديد تحت زعامات دينية كثيرة عبر العصور، مقدما ولاءه للفكرة الدينية، إلى أن انتهى في صورته الوهابية بألوانها في عصر النهضة العربية، ثم إلى صور كثيرة في عصرنا اليوم. فكذلك مذهب التصوف كاتجاه ديني يتجدد عبر الأزمنة والدهور، وفي صور الزعامات والمرجعيات الروحية، وهم ما يعرف بالشيوخ العارفين.
ولم يكن ابن باديس ينكر هذا الواقع المعرفي عن التصوف وأهله. بل إنه شارك الفقهاء وأدلى بدلوه في مسائل التصوف وقضاياه. مستدلا بقصص الكبار من علمائه. فلم يصل الأمر بالإمام كما يصوره المثقفون إلى عدم التفريق بين علم التصوف كمدرسة من مدارس الاسلام، لها قواعدها ومنهجها. وبين واقع بعض المتصوفة المريب في واقعنا الجزائري. وقد صور ابن باديس بنفسه هذا المنحى التفكيري