مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧انتهى بانقسام الجمعية على نفسها ثم زوال خطها التغييري الفعلي بعد ذلك قبيل الثورة التحريرية.
فلم يكن ابن باديس إذن، وهوالرجل الموهوب صاحب الفهم الدقيق لحقائق التاريخ وطبيعة مجتمعه الجزائري، ينكر ما للتصوف وأصحابه من فضل في حفظ كرامة شعبه … وكيان بلده من الزوال. وقد أثنى على جهاد كثيرمن هذه الطرق في الجزائر من أمثال الطريقة الرحمانية والقادرية والشاذلية. كيف لا وهو نتاج عائلة ذات مشرب صوفي تتبع الطريقة الرحمانية في سلوكها ومنهجها التعبدي.
فمن الشائع أن ابن باديس كان من أتباع الرحمانية في أول حياته، وهي الطريقة التي كان يمثلها في قسنطينة وقتئذ مصطفى باش تارزي، وكان الشيخ هو من طلب من ابن باديس الاشراف على تصحيح المنظومة الرحمانية التي نظمها عبد الرحمن باش تارزي(1) في أصول التصوف وآداب السير وصفات الشيخ والمريد طالب السلوك. وقد حصل ابن باديس تربيته الروحية عن أستاذه حمدان الونيسي الشيخ الصوفي. وعاش فترة من عمره كانت الطريقة هي ما ميز المجتمع الجزائري. ولا يكاد أحد العلماء أمثال المولود بن الموهوب والشيخ ابن خوجة والشيخ ابن سماية والشيخ المجاوي، ولا أحد من عامة الناس يدين على غير دين الطرقية كما تسمى عند الإصلاحيين.
يقول تركي رابح: «كما لا ينفي لبعض الطرق الصوفية دورا كبيرا في المحافظة على الثقافة العربية الاسلامية واللغة العربية. خصوصا أن طوردت هذه الثقافة من مراكزها الأصلية إلى الزوايا الموجودة في الجبال الوعرة والصحاري القاحلة».(2)
ولقد تنبه المؤرخون إلى ما قام به التصوف في الجزائر من دور في محاربة الاستعمار، فكان للزوايا دوركبير في تحفيظ القرآن وتعليم العربية وتدريس العلوم الإسلامية ونشر الكتابة والقراءة. مما كان له الأثر الواضح في الحفاظ على هوية الشعب الجزائري. فقد بلغ
(1) ـ انظر تجارب في الأدب و الرحلة، أبو القاسم سعد الله. ص99.
(2) ـ الشيخ عبد الحميد ابن باديس رائد الإصلاح والتربيةفي الجزائرية. ص101.