مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٢للطرقيين في الغرب الجزائري مثمرة إلى حد بعيد.(1)
إن لهذه النصوص القصوى في الأهمية بالنسبة للدارس، إذ تكشف النقاب عن كثير من الاشكالات العلمية في البحث التاريخي للحركة الإصلاحية. وتبين طبيعة علاقاتها بالمحافظين أو الطرقيين المتصوفة، ومن ثم الولوج إلى جملة من التساؤلات حول مبهمات قضايا الحركة الوطنية. كطبيعة الوحدة الفكرية عند علماء الجمعية، ولا سيما بين أقطابها بعد فترة ابن باديس أو حتى في زمنه.
و لم يكن ابن باديس في دحضه لبدع الطرقية من أولئك الذين يعممون الحكم أو يخلطون في المواقف. بل كان منهجه في الدفاع عن الحق وهدم البدع يعتمد على الحوار العلمي النزيه، الذي ينبني على إيراد الأدلة عقلية كانت أو نقلية. من دون تعرض للأعراض ولا ذكر للأشخاص، وهو ماسلكه في دعوته وحث طلبته على التأدب بأدبه: «اسلكوا في المناظرة طريق القرآن الكريم، وبيان لقول الخصم بدون تعرض لشخصه، وإقامة للحجج التي ترد عليه مع حسن السلوك. والقصد في الوصول إلى الحقيقة والإذعان لها إذا ظهرت على أي لسان. ومع الشعور باي الاد والمردود عليه إخوان يريد كل منهما أن يهدي أخاه إلى ما يراه خيرا له ويصرفه عما يراه شرا»(2).
هذا هو الأسلوب المؤسس الذي استخدمه ابن باديس مع الطرقيين وغيرهم، ولم يرد معه إلا إنصاف الحقيقة. وكان يمد يده للعمل مع الصالحين الغيورين منهم. أما من مد يده للإستعمار منهم فيقول: «وقد عزمنا على أن نترك أمرها إلى للأمة، هي التي تتولى القضاء عليها، ثم نمد يدنا لمن كان منهم على نية من نسبته إليها، لنعمل معا في ميادين الحياة على شريطة أن لا يكون آلة مسخرة».(3)
و في هذا المقام يكشف الأستاذ أبو القاسم سعد الله في كتابه «تجارب في الأدب … والرحلة» عن مراسلة غريبة ـ كما سماها ـ. بين الإمام ابن باديس وأحد علماء مدينة سوف وهو الشيخ الطاهر لعبيدي(4)، يقول فيها: «وتكشف رسالة ابن باديس أيضا عن ظاهرة أخرى هامة، وهي اهتمامه بالأولياء والصالحين، الأحياء والأموات. فقد ذكر فيها أنه زار في تلمسان ضريح أبي مدين الغوث، وضريح محمد السنوسي، وكلاهما من أقطاب التصوف والعلم في وقتهما. أما في مدينة الجزائر فقد ذكر أنه زار ضريح عبد الرحمن الثعالبي الذي اشتهر بالزهد والعلم في وقته … كما زار فيها ضريح محمد بن عبد الرحمن الأزهري، أبو قبرين مؤسس الطريقة الرحمانية الخلوتية في الجزائر، ومن الشائع أن ابن باديس من أتباع الطريقة في أول حياته، وهي الطريقة التي كان يمثلها في قسنطينة عندئذ مصطفى باشا تارزي. وكان الشيخ باش تارزي هذا هو الذي طلب التصحيح والإشراف على المنظومة الرحمانية الذي نظمها عبد الرحمان باش تارزي، وقد قام ابن باديس بذلك. وعلى كل حال فإن رسالة ابن باديس إلى الشيخ لعبيدي تبرهن أنه ما زال تحت طائلة التصوف»(5).
و نص الرسالة كما أثبته أبو القاسم كما يلي: « … وبعد سلام كما تفتحت الأزهار في نسمات الأسحار، وتحية تحي قديم التذكار، وإن شطت الدار فإني كتبته إليكم
(1) ـ المرجع نفسه.
(2) ـ الشهاب. ابن باديس: العدد102.23ذو الحجة 1345هـ ـ23جوان1927م «دعوة إلى الحسنى، فهل من مجيب».
(3) ـ الشيخ عبد الحميد ابن باديس نهضته و جهوده في التربية و التعليم، تركي رابح. ص237. انظر الشهاب ابن باديس محرم 1357هـ ـ مارس 1938.
(4) ـ ولد الشيخ الطاهر لعبيدي بمدينة الوادي سنة1887م. و توفي بتقرت سنة 1968م. و كان منذ شبابه إماما مدرسا بجامع تقرت الأعظم، و كان لعبيدي خلافا لابن باديس من رجال الوظيفة الرسمية، و قد درس في مسقط رأسه على شيوخ العلم منخم عبد الرحمن العموريو محمدالعربي موسى. كما درس في جامع الزيتونة بتونس ومن أساتذته هناك الشيخ الطاهر بن عاشور. كما أنه أخذ العلم إجازة من الشيخ المكي بن عزوز الذي راسله بها من الآستانة. (تجارب في الرحلة و الأدب، أبو القاسم سعد الله. ص100).
(5) ـ تجارب في الأدب و الرحلة. أبو القاسم سعد الله ص99.