مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤نتائج البحث:
أردت من خلال هذه الدراسة وحديثي عمن أسميتهم بالمجددين والمحافظين(1) في تاريخنا الإصلاحي، أن أوقظ لدى كتابنا عوالم من التفكير المثمر، وإشكالات علمية متعددة الوجوه، حول تاريخ وطني خام لم ينظر إليه إلا من زاوية الصراع المميت لكل البذور التي منها الحياة.
وكثيرًا ما تشدني، وأنا أتمعن أسس قيام الدولة الجزائرية في منظومتنا الثقافيةالحديثة، حيرة الأجيال حولها. وأنى لهم الجمع بين متناقضين في أسسها كما علموا، مبادئ الأميرعبد القادر الجزائري الصوفي الطرقي القادري، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة. ونهضة الامام ابن باديس الإصلاحية، وما قامت به تجديد لمقومات هذه الدولة. وهو تجديد رافض للفكر المحلي الموروث الصوفي في أصله، فيما تذهب إليه كتاباتنا. وهما الاثنان من دعائم الدولة وأحد أركانها؟
لقد روج الكتاب لشرخ عميق وصراع مزعوم بين أقطاب نهضتنا الثقافية والاجتماعية، وبين مايجب أن نتوارثه من تلك القوى الروحية المجموعة في منظومة الزاوية بما تحمله من بعد تاريخي وروحي، وبين إرث فكري أصيل لجمعية العلماء المسلمين. فكان أقل ما أصاب أجيالنا في ظل هذا الانفصام، ففقدان المناعة الدينية التي تعاني منها أجيالنا اليوم، وتعرضنا لأفكار غازية لفلسفتنا الدينية، غريبة عن هويتنا كأمة مغاربية.
إن الحلقة المفرغة في هذا المقام، لا بد أن تنجلي بالدعوة إلى الدراسة الجادة لاستقراء تاريخ النهضة الجزائرية، وفتح أجزاء من تاريخنا مايزال الغموض المطبق يلفها من أجل إصلاح ما أقسدته أقلام الكتاب، وما سببته اعتباطية التفكيرعند المثقفين. لأنا ومنذ الاستقلال في مخاض فكري عسير،
(1) ـ قد نكون أول من استعمل مصطلحي التجديد و المحافظة في مثل هذه الدراسة للتفريق بين لونين من التفكير في تاريخنا الإصلاحي. ولا مشاحة في استعمال هذه المصطلحات لأجل هذا التمييز على سبيل تذليل التصنيفات الفكرية لفهم واقع قد حدد زمانا و مكانا.