مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩دكَّان أحد الإخوان، وبعد نحو نصف ساعة عدتُ إليها فإذا هي نائمةٌ فجلست بجانبها أطالع وأراجع بعض الحسابات إلى الساعة الثامنة، وحضر العشاء فأكلَت قليلا وشربَت وناولتها الدَّواء قبل ذلك ثمَّ صلَّت العشاءين، ثمَّ تلت سورة سبّح حتى بلغت آخرها، فبقيت تردِّد ﴿إنَّ هَذا لَفِي الصُّحُفِ الاولَى﴾ إلى آخر السورة، فألحت في تكرارها طويلا، فاشتد بها الوجعُ فصارت تنادي: يارب، كعادتها إذا اشتد عليها الحال، فكنت أسكتها وأصبِّرها، وعرضتُ عليها قضاء الحاجة، فقالت: لا، فأسندتها إلى الوسادة وهي في تعبٍ شديد، ثمَّ ازداد لهثها مع إلحاح الوجع، وهنا فقط أحسستُ بالخطورة، فحام حولنا شبحُ الموت الرَّهيب، فكان هذا الإحساس يقوى كلَّما قوي الوجع، إلى أن صار حقيقة واقعيَّة، فأيقنتُ بمصيرها المحتوم لما صار كلامها مغمغما لا يكاد يُفهم، وهنا طمَّنتُ نفسها ومنَّيتها الراحة الدائمة في الجنَّة، والاطمئنان إلى لقاء الله، وملئ قلبها يقينا برضاه، فبدأ الجحوظ في عينيها والبرود في رجليها، وقالت: ما أصعب الموت، وقلت لها: دقائق قلائل ثمَّ تكون الراحة الدائمة، فاعتصمي بربِّك ولا تلقين إلاَّ خيرا ونعيما. ثمَّ عادت إلى ترديد آخر السُّورة بكلام لا يكاد يُفهم، وتذكر الله ورسوله بما لا يكاد يبين، فكانت الخاتمة المحتومة، وكلُّ ذلك في ربع ساعة فاسترجعتُ وتجلَّدتُ وكظمتُ على نفسٍ تكاد تنفجر، وأسلمت أمري إلى الله، واضطجعت بجانبها كالعادة بعد أن نزعتُ عنها الغطاء الغليظ، فكنت على ذلك الصباح لم يغمض لي جفن؛ أسيل الدّمع تارة وأكفكف أخرى، ولم أخبر الأخ عمر النائم بالبيت بجانبنا مع زوجته حتى صلَّينا الصبح، ثمَّ عدتُ إلى الاضطجاع إلى حوالي السابعة والنصف، فأخبرتهم بالفاجعة فكانت الصدمة عليهم عنيفة. ثمَّ بعد التعزية واللَّوم على كتم الخبر إلى الصّبح تفاوضنا في أمر دفنها، وفكَّرنا في نقلها القرارة فرأينا الأمر عسيرًا جدا إن لم