مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٠

يكن مستحيلا، إذ يقتضي ذلك أن تبق أربع ليال بدون دفن، علاوة على تفتيش الطريق وعلى المصاريف الباهضة التي ننوء بحملها، فقررنا دفنها هنا، فقمنا بإجراءات الدّفن الرّسمية التي عانينا في سبيلها الأمرَّين، بدأناها من الساعة الثامنة فلم تنقض إلاَّ حوالي الثاّنية عشرة، على السّرعة الفائقة التي قمنا بها، ولولا عربة الأخ لما استكملناها في يوم كامل، وكان الدّفن بعد الساعة الرابعة عشية في حفل كبير من الإخوان والأصدقاء وكلِّ من سمع بالخبر وأغلبهم لم يسمع به.

هكذا تمت هذه الفاجعة وختمت بها أنفاس نفسٍ عزيزة كانت تملأ حياتي بهجة ونورا، وتحيل داري جنَّة نعيم، وكان حبِّي لها وغرامي بها يمدان جميع أعمالي بالقوة والحياة، وأنَّ قلبي ليعجز عن وصف سعادتي بها وهنائي، وكنت مغمورًا بهذه السّعادة في حِلّي وتَرحالي شاعرًا بها تمام الشعور، وأعتبرها من أعظم نعم الله عليَّ، وكنت مغتبطا بهذه النعمة شاكرا الله عليها ما وسعني الشكر، لا يغفل قلبي عن ذكرها ولا لساني عن تلاوة قوله ﴿((((أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ((((﴾ وأرثي وأشفق على من حُرم مثل هذه النّعمة. ولم يكن هذا الشّعور وليد فقدانها، كمن يزهد في نعمة تغمره وسعادة تحيط به حتى إذا فقدهما شعر بهما وتحسَّر على فوات الانتفاع بهما، بل كنتُ من مفرقي إلى قدمي شعورًا وإحساسًا بهذه النّعمة وبغيرها من النّعم التي أسبغها الله عليَّ، وأعظمها هذه الحياة التي أحياها في سبيل العلم قضيتُ فيها أكثر عمري وسأقضي فيها إن شاء الله بقيَّته، وكانت في بيت من بيوت الله وفي وطني العزيز، عزيزا في قومي مرضيًّا عنِّي من كرامهم، وفي طليعتهم أستاذي العزيز، متمتعًا بالسّعادة الزّوجية، ونجابة الأولاد، والكفاف في العيش، والبعد عمَّا يشين سمعي، ويسخط الله والرّسول، هذا ما أشعر به دائما ويمتلئ

٣٢٢ / ٣٤٢