مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٤٢

وأقول: من لي بالكاهل الذي يتحمَّل هذه النكبة؟ والمتن التي تقوى على الاضطلاع بعبئها؟ فلابد من السقوط في الامتحان .. وسرعان ما يزول هذا الخاطر وأقول: ما كان الله ليصل بي إلى هذا الحدِّ من الاختبار، ولا ليردَّ دعوات المسلمين والمسلمات في كلِّ جهة وفي كلِّ مكان، ولا دعواتي بالخصوص التي لا تفارق قلبي ولساني أينما كنت، سائرًا أو راكعًا أو مصليا أو نائمًا، وكان رجائي في الله قويا حتى كاد يبلغ حدَّ اليقين، وقد بالغتُ حتى أقسمتُ لها ذات مرَّة لتشفيَنَّ، فقالت: إنّك حانثٌ بحلفك على الغيب، فقلت لها: إنّ لله عبادًا لو أقسموا على الله لأبرَّهم. وبعد هذا كلِّه كان وعدُ الله بالابتلاء قاسيًا على غير ما أتوقَّع، وكان صبري عليه قاسيا شديد الوطأة، فطويت صدري على نار على الأحشاء تتقد، وأكظم الزّفرات جهدي حتى أسمع لأسناني صريرًا، فأغلبها أحيانا وتغلبني أخرى، فإذا لم تجد متنفَّسا خرجت شؤونا في العيون، فأحاول كفكفتها بكلِّ جهد فتغالبني، وأجد صعوبة عظمى في مواجهة المعزِّين، ولا أشقَّ من تعزيتهم، وبالأخص إذا كانت من عزيز أو بالغ في التعزية، وأحسن تعزية أريدها منهم أن يُعفُوني منها، أكون هادئا مطمئنا فإذا واجهني معزٍّ ثارت شجوني وانهمرت دموعي، فأضطر للإعراض عنه وهو الكريم العزيز، وأشدّ ما يثير شجوني تذكُّر الأولاد والعائلة وموقفهم من النّكبة عندما تصدمهم، لطف الله بهم وبي، وألهمهم الصّبر الجميل حتّى يخفِّفوا عنِّي هذا المصاب، ومن لطف الله تعالى بي وبهم أن كنتُ بعيدًا عنهم، ولا أتّصل بهم إلاّ بعد أن يكون المصاب قد خفَّت وطأتُه، والنكبةُ قد لطَّفتها الأيام، وبعد كل هذا أتلوا قوله تعالى: ﴿(((((((((((((((((بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (((((﴾ فأجدني مطمئن القلب، هادئ النفس، رابط الجأش، راضيا بقضاء الله وقدره، محتسبًا أجري عند الله، طالبًا منه أن يوفيني أجرها بغير حساب، وأعتبر

٣٢٤ / ٣٤٢