مجلة الحياة، العدد 12 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦١

البينات بحرمة هذا الفعل، وتبيّن خطره وسوء مصير أهله. ولكن هؤلاء الأقوام آثروا طاعة الهوى وسوّل لهم الشيطان التنازع فحق عليهم العذاب العظيم. إذ انقطعت أعذارهم حين ركبوا رؤوسهم بعد الحجة والبيان.

هذه الحقائق الناصعة كافية لترشيد كل مسلم عاقل، وتحذيره من مغبة هذه العاقبة، إن كان عمله أو دعوته خارج مسار التوحيد، إذ يعدّ سعيه زجًّا بالأمة في هذا المسير، ودفعا لها إلى هذا المصير.

ثم إن منطق القرآن الواقعي يبني القضية على الصبر، ليجلّي لنا أن الوحدة ليست باقة ورد تنال بالإهداء، ولا مائدة تنزل على أهلها من السماء، دون مرابطة ومصابرة وعناء، بل دون ذلك جهاد واجتهاد، وبدونه لا نتيجة ترتجى، ولا وحدة تتحقق، وسنام الأمر الاستعانة بالله لأن الله مع الصابرين.

وقد وضع الله أيدينا على مفتاح القضية في هذا المقام بقوله: {((((((((((((اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) ([سورة الأنفال].

فقد ربط قضية العزة بالوحدة، حين بيّن نتيجة التفريط فيها بالتنازع، إذ يفضي التنازع إلى الفشل في مقاومة العدو، وذهاب الريح، وهو زوال القوة ونزول الوهن والضعف، وزمام الأمر كله منوط بطاعة الله ورسوله.

وتعاليم القرآن والسنة حافلة بالدعوة إلى الاستمساك بحبل الله ومجانبة سبيل الهوى والشيطان.

ثم أناط التوجيه القرآني القضية كلها في عروتها الرئيسة، وركنها الركين، ألا وهو الصبر. ودونه لا طاعة لله ورسوله، ولا تلاحم ولا وحدة، بل تكون المعصية والمخالفة لنهج الله، ثم التنازع وذهاب الريح، وفقدان معية الله، لأن معيته يختص بها الصابرون. وما يعقل هذه الحقائق الناصعة، والقوانين الصارمة إلا العالمون، وما يوفق إليها إلا المهتدون.

فالتنازع مآله الفشل، وضياع

٣٤ / ٣٤٢