مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٣وقد سبقت الإشارة إلى أهميتها، وأن القرآن أولاها مقاما عليًّا، وجعلها صنوا لتوحيد المعتقد، ولازما له، وأي خلل في هذه الوحدة فإنه ينبئ عن خلل في توحيد الله، لأنه جمع المؤمنين به في زمرة واحدة، ودعاهم إلى عبادته صفا واحدا، وأمرهم بالتضامم ليجابهوا عدوهم الأكبر "الشيطان" وحزبه، إذ لا وجود لأحزاب في معيار القرآن إلا لاثنين، حزب الله وحزب الشيطان. وقد كتب الله الفلاح لحزبه، والخسار لحزب عدوه، تحقيقا لدعوة صاحب كل حزب. فدعوة الله إلى حيث النعيم والسلام. {((((((يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) ([سورة يونس]. بينما يدعو الشيطان أتباعه إلى حيث الجحيم والشقاء: {(((الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) ([سورة فاطر].
أسلوب القرآن في ترسيخ وحدة الأمة:
يتبوأ القرآن قمة الإعجاز البياني، الذي به تحدى البلغاء، فأعجز فصحاء العرب عن مضاهاته، وثبت بذلك أنه كتاب حق من عند الله، وتحدّى الله العرب والإنس والجن قاطبة أن يأتوا بمثله، فأذعنوا لبلاغته، وكان ذلك سبب إيمانهم، إلا من اختار المكابرة حسدا وبغيا.
وكل هذه المعالم في تاريخ الدعوة مسجلة بتفاصيلها في آي القرآن، يقصر عن حصرها المقام.
ومن أجلى وجوه الإعجاز في أسلوب القرآن مزاوجته في الخطاب بين مقتضيات العقل، ومؤثرات القلب، فقد جمع في خطابه بين الإقناع العقلي والتأثير العاطفي، في أسلوب متوازن لم تعرف البشرية له نظيرا.
ومرامنا الإشارة في هذه النقطة إلى أسلوب القرآن وأدواته في خطاب المكلفين، وضرورة توظيفها في تحقيق أهدافه.
وقد وجدنا آي القرآن متنوعة، وأدواته متعددة في بلوغ الهدف وإيصال الفكرة إلى المخاطب، فتارة يستثير مشاعره، وطورا يوجه تفكيره، وأخرى يضع أمامه آية من آيات الخلق، وحينا يذكره بأصله، وأحيانا