مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٣ثم ترك المجال مفتوحا لكل امرئ وما اقتنع به، دون فرض وصاية على أحد، وإكراهه على معتقد بلا طمأنينة أو اقتناع. {قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) ([سورة سبإ]. لأن الحكَم هو الله، وإليه المصير ليسأل كلا عمّا فعل: {((((يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) ([سورة سبإ:].
ودائرة الحوار لم تنحصر في إطار معين، بل شملت المشركين وأهل الكتاب جميعا، {((((تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) ([سورة العنكبوت].
ولئن كان هذا المنطق مهمًًّا وضروريا مع غير المسلمين، وقضايا الخلاف فيه جوهرية تمس أساس التوحيد، ومصيرية يتعلق بها موقف المسلمين، ومصير البشرية جمعاء، أفلا يكون الأمر أكثر تأكيدا، وأخطر تأثيرا في خلافات المسلمين أنفسهم، فيتسع الصدر لها ما دام يحتملها نص الشارع، وتحتضنها مظلة الإسلام، ولا تمس جوهر الدين ولا قطعيات الشريعة السمحاء؟
إن كثيرا من القضايا الخلافية استغلت استغلالا سيئا لا لتبيان وجه الحق، بل لتمزيق الصف، وترسيخ الفرقة، وتأريث نار العداوة والشقاق بين أبناء الأمة الواحدة. وما أكثر هذه النماذج في تاريخنا الإسلامي القديم والحديث على حد سواء.
ولا ضير أن يقع الحوار الهادئ المتزن بين المسلمين فيما وقع فيه الاختلاف، شريطة أن يلتزموا أدب الحوار وقواعد الاختلاف، ولا يتخذوا من الظنيات أصولا وكليات يفرعون عليها أحكاما تناقض القطعيات، من استباحة عرض المسلم أو دمه أو ماله، ورميه بأشنع التهم وأقسى الأحكام، دون سند من الشرع الحنيف.
وجدير بكل من أوتي مسؤولية الكلمة أن يتنبه إلى هذه الحقيقة الناصعة، ويتخذها منهجا لإعادة وحدة الصف إلى وضعها السليم.