مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧٤تاسعًا: رفض الإصرار على الفكرة دون حجة قاطعة:
تماشيا مع قواعد ترسيخ الوحدة، ونبذ أسباب الفرقة، يجدر أن تترجم الرغبة في الوحدة إلى خطوات عملية حقيقية، ومن أهمها لزوم الإذعان لصوت الحق إذا دعا المتناظرين، والترفع عن المراء والإصرار على الرأي إذا عري عن الدليل، أو لم يكن له وجه حق من عقل ولا دين.
وقد كان للإصرار على الآراء النشاز دور في تعثر جهود طيبة بذلت لتقريب الشقة، وتوحيد الصف، فكان لا بد من تصحيح هذا الخلل بالاحتكام إلى منطق القرآن الذي أنصف العقل حين استعرض حجج منكري التوحيد، ومنكري الإسلام، ومنكري البعث، وغيرهم ممن ألحد في الله، أو انحرف في السلوك، فبسط الله حجج الجميع، وبيّن خطأها، ثم أقام حقائق الدين الحق، وأثبتها بالبرهان، وألزم العقلاء أن ينصفوا من أنفسهم ويصيخوا لقولته الصادقة وحجته القاطعة.
والقرآن طافح بنماذج من هذا النسق الحجاجي الرصين، نجتزئ منه آية تكون أنموذجا وافيا بالمطلوب؛ مفضية إلى الغرض المقصود. إذ يقول الحق عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) ([سورة هود].
فقد عرض دعواهم واتهامهم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم باختلاق القرآن، وردّ عليهم بلازم قولهم، أن تفضّلوا بمضاهاته فيما اختلقه، وفتح لهم فرص التحدي إلى أقصى الحدود، وأن يستعينوا بمن شاؤوا للإتيان بجزء لا يعدو عشر سور مفتريات. وإذا ثبت عجزهم لزمهم الاعتراف بكذب دعواهم أولا، ثم الإذعان لدعوى محمد وهي أن هذا وحي من عند الله، وحق عليهم الإقرار يقينا بصدق هذه الدعوى، وأن هذا كلام الله لا سواه. وهو المتفرد بالألوهية والخلق، والوحي وإرسال الرسل.