مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٨٩ولا حافرٍ، ولا جشَّمْتُمُوه ما جشَّمه غيركم من العرب»(1)، فحكم أراضيها حكم أراضي المدينة واليمن، حيث أسلم أهلها طوْعًا، فتبقى أراضيها مِلْكًا لأصحابها، وتُجمع زكاة أموالهم من طرف الإمام أو نائبه.
2 - السياسة المالية لإمامة الجلَنْدى بن مسعود(2):
إنَّ إمامة الجلندى قامت على أعتاق رجال باعوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وإقامة دينه، طلَّقوا الدنيا، وزهدوا فيها، وعاشوا على الكفاف، يقول السالمي في وصفهم: «ليست الدنيا من ذكرهم، ولا جمْعُ المال من شأنهم، ولا الشهوات من حاجاتهم»(3).
إذا كانت دولة قامت على التضحيات فلا تتصور أن تجد موارد منظمة وأموالاً محصيَّة، ودواوين مسجلة، فإن بداية الإمامة تُشبه إلى حدٍّ بعيد خلافة أبي بكر الصديق في طبيعتها المالية حيث كانت الإيرادات تُوزَّع في حينها، فلا تُجمع في بيت، ولا تُحصى في سجلاَّت، فالرِّجال هم العمدة، وابتغاء الأجر عند الله هو العدَّة، والزُّهد في الدنيا هو المنهج والسيرة.
هذه هي الفلسفة التي سادت عند نشأة الدولة الإباضية في مشرقها ومغربها؛ لِذَا نجد الشأن المالي لم يُصنَّف من الأولويات والضروريات، حتى أن المؤرخين مرُّوا عليه بدون ذكر إلا من إشارات عابرة، ولا نعجب إذا لم نجد بيت مالٍ منظَّمًا، وقوائم الدُّخل والخراج كما اشتهرت عند بني العباس الذين حكموا أقاليم واسعة، وبلغوا شأوا بعيدًا في تنظيم شؤونهم السياسية والمالية.
ومع هذا التنظيم المتواضع استطاعت الإمامة الإباضية أن تحقق أهدافها، وتُحافظ على توازنها
(1) - عبد الله بن حميد السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عُمان. الناشر: زاهر وزهير. المطابع الذهبية: عُمان. ج:1، ص:63.
(2) - الجلَّنْدى بن مسعود: من آل الجلَّنْدى ملوك عُمان عند ظهور الإسلام، حمل العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو أوَّل إمام حكم بعُمان، بويع سنة: 132هـ، وقُتل سنة: 134هـ. (السالمي: التحفة).
(3) - السالمي: التحفة. مرجع سابق. ج:1، ص:90.