مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٩٩6 - العطاءات الممنوحة من بيت المال:
العطاء هو ما يُعطيه الإمام من بيت المال لأهل الحقوق في وقت معلوم، وقد فرَّق بعض الفقهاء بينه وبين الرزق، فقالوا: الرزق ما يُخرج من بيت المال للجندي كل شهر، والعطاء ما يُخرج له في كل سنة مرة أو مرتين(1). وأول من نظم بيت المال، وأنشأ الدواوين، وقسَّم العطاء هو الخليفة عمر بن الخطاب، إذ كان أول الأمر تقسِّم الإيرادات من غنائم وفيء في حين ورودها. ولَمَّا كثرت هذه الإيرادات فكَّر عمر في تنظيمها، وجعلها عطاءات راتبة دورية إما شهرية أو سنوية. في وضع سجلات بأسماء المستحقين من جنود وعمال وقضاة وسائر موظفي الدولة، وكانت مقاديرها تزداد بازدياد المداخيل المتنوعة التي ترد على بيت المال، وشهدت تطوُّرًا في عهد الفتوحات، وتدفُّق الخراج بعد ذلك.
وإذا جئنا إلى دولتنا الفتيَّة نجد أن الإمام الجلندى بن مسعود وضع الأرزاق والعطاءات حسب مقدرة وطاقة بيت المال الناشئ؛ مما يدل على اهتمامه بالشؤون المالية، ووضع الدواوين وسجلاَّت المستحقين. وتدلُّ النصوص التاريخية على أن العطاءات كانت قليلة مع الغلاء في الأسعار في تلك الفترة. إلا أن المستحقين يقنعون بذلك تورُّعًا وتقشُّفًا، وإشفاقًا على بيت مال الدولة الناشئة، ويصل الأمر ببعضهم أن يرد الفضل والعفو إلى بيت المال، وهذا السلوك الحضاري لم نُسجِّله في أيِّ أُمَّة، إذْ يُعبِّر عن العلاقة الوطيدة التي تربط بين الأفراد والحُكَّام في لحمة واحدة.
يقول السالمي: «وكان المرء منهم يُرزق في الشهر الواحد سبعة دراهم في غلاء من السعر، يصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله، وقد بلغنا أنه ربما بقي مع الرجل الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيردُّه في فيء المسلمين»(2).
بهذه التضحية والإيثار تُبنى المجتمعات، وتُشيد الحضارات، وبهذه الأخلاق السامية استطاع المسلمون