مجلة الحياة العدد 12 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣فهم النص والكشف عن مضمونه إلى كفاءة اجتهادية فائقة.
وفي الوهلة الثانية يتمّ تركيب الحالات وتحليلها، وتكوين نظرة كليّة لانتزاع البنية الأساسية ـ وبتعبير الشهيد الصدر البناء العلوي ـ من خلال مجموع النصوص والأحكام، ثمّ اكتشاف القواعد الكلية على أساس ذلك البناء العلوي.
وإذا سلّمنا ابتداء بضرورة وجود نظريات وأنظمة في الفقه، فمعنى ذلك أنّ الإسلام دين كامل له أنظمته المختلفة وقابليته على صياغة الأنظمة، ودعوته إلى اكتشاف هذه الأنظمة في إطار الاجتهاد والتفقه، ومن ناحية أخرى لأنّ المنهج الاستقرائي قائم على حساب الاحتمالات، فإنّ آراء الفقهاء ستكتسب قيمة إحصائية صرفة، من حيث تأييدها أو تعارضها من النظرية المقترحة، وهكذا فإنّ الفتاوى المخالفة في فقه الأحكام لن تكون ذات طابع سلبي في فقه النظريات المتميّز بمجال استنباطي أوسع(1).
إنّ سرّ كفاءة الجهاز الاجتهادي في الإسلام وقدرة قيادته على توجيه الحياة الاجتماعية، يكمن من وجهة نظر الشهيد الصدر في التركيب المناسب بين هذين العنصرين، الثابت والمتحوّل، ضمن كيان واحد وباتجاه أهداف مشتركة. وهذا التركيب يحتاج ثلاثة أمور:
1. فهم العنصر الثابت.
2. فهم متطلّبات وطبيعة كل مقطع من مقاطع الحضارة الإنسانية.
3. تعيين صلاحيات وحدود تدخّل وليّ الأمر.
وهو يرى أنّ مفهوم (منطقة الفراغ) يقع إسلاميا في سياق العنصر الثالث. فمنطقة الفراغ ليست نقصا أو هوّة في الشريعة، وإنّما هي من نقاط قوّة الشريعة … حيث تترك هذه المناطق ـ مناطق الفراغ ـ إلى جانب الحكم الأولي والأصلي لتكون مجالا لصلاحيات وليّ الأمر، كي يملأها بالتشريعات والأحكام. إذن فالحكومة تملأ الفراغ الذي تركته الشريعة تحسّبا لمتغيّرات
(1) - المرجع السابق.