مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٣وهي الاحتقان الثوري الوطني المبثوث فيها، فهي حبلى بالمعاني والدلالات التي توحي بصدق وانفعال خرفي، كما برز أن «هذا الاحتقان الثوري في الجزائر فجر بطولة ساخرة لا مبالية فاقدة الإحساس بالآلام الجسدية»(1)، كما جعل شاعرنا ملتصق بالثورة التحريرية «في سهولها وجبالها ومغاويرها وكهوفها، فالثورة فيه خافقة تائقة زاحفة متموجة، حيث اختلط الشعر بالدم ورائحة البارود، إذ لا يكتفي الشاعر بالتحويم العائم على الجبال أو بالصورة القاتمة تلتقط من الجو وإنما يتبعها بأسمائها، ويلون الخارطة بالألوان البارزة، ويستوحي الأبعاد البطولية»(2)، ومن هذه الأسماء: أوراس، البيضاء، تبسة، القصبة، شوارع الجزائر العاصمة، فهذه «الأماكن من قرى ومدن وجبال في الشعر العرب تبث العواطف المرتبطة بحب الوطن، فتهيج في المغترب الأشواق والحنين … وتذكي شعلة الغربة المحترقة والحنين الدائم لأرض لا تنمحي معالمها الجغرافية ولا تزول»(3).
ولعل أهم ما جعل شاعرنا يعيش مأساة الجزائر بذاته وروحه هي حياة الغربة التي كان يعاني منها، فهذه الغربة صقلت تجربته الشعرية، وخاصة عندما تمتزج مع الأخبار المزعجة التي تصل إلى المشرق العربي عن الثورة التحريرية الكبرى، وعن جرائم ووحشية المستعمر في قتل الشعب الأعزل غدرا وتعمدا، وزج الشباب والمتظاهرين في السجون، فهذه العوامل أججت الروح الثورية في روح خرفي منذ صغره وكبرت معه كلما كبر وتبلورت في أفكاره، وشدته شدا إلى أرض البطولات إلى مسقط رأسه وذكرياته وصباه، إلى الأرض التي عاش فيها أجداده، الأرض التي عشقها صغيرا واكتوى بنارها كبيرا؛ أرض الجزائر الثائرة، فكان بذلك ديوانه «أطلس المعجزات» بمثابة المنبر الذي يرى منه الناس فيكون
(1) -صالح خرفي، الشعر الجزائري الحديث، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط2، 1984، ص 233.
(2) -نفسه، ص 233 - 234.
(3) -سلمى خضراء الجيوشي، أبعاد الزمان المكان عند الشابي- دراسات عن الشابي-، الدار العربية للكتاب، ط2، 1989، ص 214.