مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٨١وبعد هذا ننتقل إلى الكلمات؛ ولنبدأ بالطباق وتوظيفه في الرسائل الرستمية، والطباق: «الجمع بين الشيء وضده في الكلام»(1)، وقد استخدمه كتاب الرسائل في كثير منها، ولا يُلاحَظُ في توظيفه تكلف أو صنعة وإنما جاء عرضًا أو لحاجة السياق إلى استعماله، ومن أمثلة الطباق التي استخدمت في تلك الرسائل قول (أفلح بن عبد الوهاب) في رسالة إلى (البشير بن محمد)(2): «أُذكرك عظمة الله لاتنساها- فكر في صغير خلقتك وفي عظيم ما خلقه الله - ومن عظيم خلقه من السماوات والأرضوليس لنا فيها قضاء ولا زيادة و لا نقصان ولا أمر ولا نهي»، وفي هذا التوظيف للطباق لم يتكلف الإمام (أفلح) الاستعمال بل جاء عرضًا ليقرب المعنى إلى ذهن المتلقي باستخدام هذه الثنائيات الضدية؛ لأنه كما يقال بضدها تتميز الأشياء، وفي رسالة أخرى دائمًا لـ (أفلح) لا يستعمل الطباق إلا مرة واحدة في قوله: «نظروا إلى الآخرة بقلوبهم فهان عليهم فراق الدنيا»(3)، وفي رسالة ثالثة لا يلجأ إليه كذلك إلا مرة واحدة أيضًا في «أن ذلك ضلال، لأن الهدى في أيديكم»(4)، وفي أطول رسائلهبشكل عام نراه يوظف الطباق في ثلاثة مواضع نذكرها تباعًا هي: «فيما وافق هواكم أو خالفه»، و «ولم يلقوا أهل العلم فيقتبسوا منهم الدين عاشوا مع أهل الجهل فخلا بهم الشيطان»،و «والرشد خير من الغي والهدى خير من الضلالة، والجنة خير من النار»(5).
يمكننا أن نستنتج أن أسلوب الإمام (أفلح) يكاد يخلو من توظيف الطباق إلا ما جاء عفويا، فتلك الفترة لم تشهد اهتماما كبيرا بهذا الجانب الذي شاع استعماله في الأدب العباسي حيث كان الاهتمام بالغًا بالمحسنات اللفظية والمعنوية، ونفس الشيء ينطبق على الرسائل المغربية التي كتبت في عصور متأخرة عن العهد الرستمي، وعرفت توظيف المحسنات إلى درجة أن بعض كتاب ذلك العهد التزموا حرفًا واحدا و بنوا عليه رسائلهم،
(1) -السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، المكتبة العصرية، بيروت، 1424هـ، 2003م، ص303.
(2) -الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية، القسم الثاني، دار البعث، الجزائر، ط3، 1423هـ/2002م، ص244.
(3) -المصدر نفسه، ص 246.
(4) -المصدر نفسه، ص264.
(5) -المصدر نفسه، صفحات 281،283، 285.