مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

أما السجع فقد كان أقل المحسنات ورودًا في الرسائل الرستمية رغم أهميته في إعطاء موسيقى خاصة، وإيقاع يشد انتباه المتلقي إلى تكرار فواصله مما يجعلها حسنة الوقع في الأسماع، والسجع «هو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير»(1)، ومن الأمثلة عن هذا اللون من المحسنات التي حفلت بها رسائل تلك الفترة نذكر من رسالة لـ (أفلح) قوله: «فألزم التقوى نفسك، وأشعرها قلبك، واصبر على ما أصابك إن ذلك لمن عزم الأمور»(2)، وفي موضع آخر يقول: «والمتقون هم الفائزون خلصوا من هموم الدنيا وأشغالها ونجوا من عذاب الآخرة و نكالها، فمهدوا لأنفسكم، وقدموا لمعادكم، واعملوا عملا يسركم»(3)، فنلاحظ أنه زاوج بين فاصلتين (حرفين) هما الهاء والميم، والهاء صوت رخو مهموس يحمل دلالات كثيرة، فالهمس أبلغ في التأثير من التصريح، واللين أشد وقعا في النفس من الشدة، ومن رسائل الإمام (أفلح) أيضا في شأن (نفاث) يقول: «فالحمد لله المحسن إلى أوليائه المنعم عليهم بحسن بلائه، معز أهل طاعته، وناصر القائمين بحقه»، وفي رسالة أخرى يقول: «فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وأكرمنا بمحمد عليه الصلاة و السلام»، ومن نفس الرسالة قوله: «لتنالوا بذلك ما وعد به من جزيل الثواب وكرم المآب» ..

أما (أبو اليقظان محمد بن أفلح) فقد استخدم السجع مرة واحدة في رسالته الوحيدة المذكورةفي قوله: «فاقتفوا آثارهم واهتدوا بهُدَاهُم، واحذروا الزيغ عن طريقهم، والميل عن مناهجهم».

وجدير بالذكر هنا أن نعرف أن استعمال الطباق والمقابلة في النصوص؛ شعرها ونثرها إنما يقصد به زيادة توضيح المعاني ودلالاتها، حتى تصير أقرب إلى ذهن المتلقي باستخدام تلك الثنائيات الضدية، أما السجع فإن القصد من توظيفه هو تلك الفواصل الموسيقية؛ فالوقوف على الأحرف وتكرار العملية في الجمل يعطيها إيقاعًا خاصًا يستميل أذن السامع ويؤثر فيه، والإيقاع كما هو معلوم شيء من طبيعة اللغة عامة، فهو خاصية شعرية ونثرية.

(1) -المصدر نفسه، ص330.

(2) -المصدر نفسه، ص245.

(3) -المصدر نفسه، ص245.

١٢٤ / ٣٣٣