مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٩٣مقدار النصاب في أخذ العشور: اختلف الفقهاء عامة في النصاب الذي يجب فيه العشور أيؤخذ عن أي مال دخل بلاد المسلمين ولو لم يبلغ النصاب، فيقول صاحب المصنف. «واختلفوا في المقدار الذي إذا مر الذمي على العاشر، وجب عليه الأخذ منه». ثم أورد قولا للخليفة عمر بن الخطاب وقولا آخر للخليفة عمر بن عبد العزيز، فعمر بن الخطاب يرى أنه يؤخذ من الذمي عن كل مائة درهم خمسة دراهم، أي نصف العشر، أما عمر بن عبد العزيز يرى أنه يؤخذ منهم من كل عشرين دينارا دينارٌ أي نصف العشر أيضا، وقد اختلفا في نوع العملة واتفقا في النسبة، مما يعني أن ما كان أقل من مائة درهم أو عشرين دينا فلا يؤخذ منه شيء.
ثم ذكر أقوالا أخرى لم يحد فيها حدا، منهم قول الإمام مالك بن أنس الذي يقول: «يؤخذ منهم العشر فيما يديرون ويختلفون به، ولم يحد فيذلك حدا»(1).
أما الإباضية فيرى أبو سعيد الكدمي: «لا يحضرني حدّ مما يجب فيه على الحربي من قول أصحابنا شيء مؤكد، إلا أني أحسب أنهم قالوا: من يجب فيه العشر فإنما نشأ به في ملكه معنى ثبوت العشر للمسلمين، يعني ما تجب فيه الزكاة، وهو عندي حسن. «أي أن الشيخ أبا سعيد يرى أن يقاس نصاب العشور بنصاب بالزكاة فيرى بلوغ النصاب في العشور حتى تجب فيه الزكاة وهو نفس قول عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ومن قال بقولهم»، غير أن الإمام يستثني ويضيف ملحظا لطيفا يدخل في مبدأ المعاملة بالمثل، فيقول: «إلا أن يكون الحربي يأخذ ملك أرضه من المسلمين، إذا قدموا عليه أقل من ذلك». القول: «يعجبني على هذا المعنى: أن يؤخذ منه ما يؤخذ ملك أرضه». أي أن الأصل الأخذ بمبدأ بلوغ النصاب، فإذا كان الملك يؤخذ بأقل من النصاب عومل بالمثل وأخذ على ذلك المقدار.
ثم يؤكد على مقصد العدل والمساواة في المعاملة بين المسلمين والذميين في الحقوق والواجبات، فيقول: «ولا أجد هذه التي ذكرها يخرج معناها من شبيه معاني إصابة العدل في ذلك، وأقل ذلك أجده موافقا لما يشبه العدل بالعشر فيما يلزم المسلمين».
هكذا يظهر لنا عدل الإسلام في تعامله مع الذميين المقيمين ومع الحربيين المستأمنين
(1) - الكندي، المرجع نفسه، ص: 86