مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

النظر في الأمر، فيقول صاحب الخراج: «وإنما تجب الجزية على الرجال دون النساء والصبيان: على الموسر ثمانية وأربعون درهما وعلى الوسط أربعة وعشرون درهما وعلى المحتاج الحراث العامل بيده اثنا عشر درهما يؤخذ منهم ذلك كل سنة»(1). فصنّف صاحب «الخراج» أهل الذمة ثلاث فئات: لأغنياء والمتوسطين والفقراء، أما صاحب «المصنف» فحددهم في فئتين: الأغنياء، وما دون الأغنياء، كما أنهما اختلفا في دورية أخذ الجزية فجعلها الأول سنوية والثاني شهرية، مما يدل على تباين أنظمة الجباية، وتطورها من سنوية إلى شهرية، أما المقدار فقد تطابقت وجهات النظر بينهما، والفرق بين المبلغين في كون أحدهما سنوي فجعله ثماني وأربعون درهما، والآخر شهري فجعله أربعة دراهم، أي (4×12=48).

إلا أن صاحبنا أورد نصا آخر في صفحة 95 من نفس الجزء قولا يتطابق تماما مع قول صاحب الخراج، فيقول: «ومن ظهرت يسرته -أي غناه-، فإنه يؤخذ منه في كل شهر درهمان، حتى يكون دهقانا مكثرا، فإنه يؤخذ عنه في كل شهر أربعة دراهم، ولا يؤخذ منهم أكثر من أربعة ولا يؤخذ منهم أقل من درهم»(2).

وهذا النص يحدد المقدار الأعلى والأدنى للجزية فلا يتجاوزها، يصنف أهل الجزية في أصناف ثلاثة الموسرون والمتوسطون والفقراء، وهو نفس تصنيف صاحب الخراج.

ثم نص صاحب المصنف وأكد أن الزكاة لا تفرض على أهل الذمة، إلا ما تعاملوا مع المسلمين من الأموال التي تجب فيها الزكاة، فتفرض على تلك الأموال، فيقول: «وأما ما استفادوه من أموال أهل الصلاة التي جرت فيها الزكاة ففيها الزكاة».

على من تجب الجزية: اتفق أهل العلم أن الزكاة تجب على البالغين الذكور القادرين على العمل، ولذا فترفع على النساء والأطفال والشيوخ، ويقول الشيخ الكندي في هذا: «والجزية ساقطة عن النساء والعبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: ولا جزية على الزمناء ولا على الشيخ الفاني، وقد وافقهم على ذلك بعض مخالفيهم على ذلك». فالمريض والشيخ الفاني غير قادر على مزاولة العمل، وعادة أن هؤلاء الأصناف يحتاجون إلى مساعدة غيرهم، فلا يمكن إلزامهم بفرائض مالي. إن ظاهر آية مشروعية الجزية وردت على العموم إلا ما خصه الإجماع، أما مفهوم الصغار في الآية ففيه تأويلات عديدة ذكرها المفسرون، منها ما ذكرها صاحبنا: «قال: وجدنا في التأويل أنهم يمشون بها صغرة يقبلون عليها، والله أعلم بتأويله».

ثم ذكر إجماع أهل العلم على ألا صدقة-يعني الزكاة- على أهل الذمة ما داموا مقيمين.

وقد علق أبو سعيد الكدمي على صاحب الإشراف بقوله: «أما أهل الذمة من اليهود والنصارى والمجوس وممن له دين متعلق به، ممن يثبت له حكم الكتابية في الجزية، فثابت عليهم حكم الجزية في رؤوسهم على ما معنا قد ثبت»(3).

(1) - أبو يوسف، الخراج، ص:250

(2) - الكندي، المرجع نفسه، ص:95

(3) - أبوبكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، ج:6، ص:83

١٤٨ / ٣٣٣