مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١

وهذا المنظور الشامل يجعل الحديث عن مصدر التجديد الأول ضرورة لا محيد عنها، سواء في مجال تحديد المفاهيم أم في مجال تجسيدها على صعيد الواقع المرسوم.

والمراد بالمصدر الأول القرآن الكريم، الكتاب الخالد المحفوظ، وعد الحق بحفظه وأنجز وعده، وكان ولا يزال غضًّا طريا كما نزل، ينهل منه الواردون، ويهتدي به السارون، ويأرز إليه التائهون فيجدون في رحابه الأمن والإيمان والهدى والاطمئنان. لقد تجلت في مصدر الإسلام الأول معالم التجديد بارزة في ثنايا السور والآيات، بما بث فيها من توجيهات للإنسان أن يقلب النظر في الكون والأنفس، ويستجلي الأسرار، ويكتشف السنن، ويوازن ويقارن، ويقيم على الحقيقة والحجة علمه، ويصل بالخير والمصلحة سلوكه، ويوظف الموازين القسط ليضبط بها مسيره ويحدد هدفه، ويدفع مركبه في الاتجاه الصحيح. وقد نعى القرآن على أقوام عطلوا مداركهم، وألغوا عقولهم، وعلى قوم عميت بصائرهم وأبصارهم، وحكّموا شهواتهم فحادوا عن الرشاد، وتاهوا في بيداء الشقاء والضلال. ودعاهم بإلحاح إلى الاستبصار والادكار، والنظر والاعتبار ليتعقلوا بعد سفه، ويفيقوا بعد سبات، ويجددوا مسيرهم في طريق الخير والرشاد. وشواهد هذه الحقائق في آي القرآن يضيق عن حصرها المقام.

وقد كانت وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تجديد حياة الناس بإقامة حقائق القرآن، وعلى نهجه سار الصحابة الكرام. ومَن بعدهم مِن الأئمة الأعلام. وتاريخ الإسلام حافل برجال أفذاذ سخرهم الله للوفاء بمهمة التجديد والاضطلاع بأعباء البعث والإحياء، في مواقع شتى من أرض الإسلام.

ولا تتخطى العين أرضا أظلها الإسلام إلاَّ وشهدت جهدا تجديديا في قديم أو حديث، وفيها بصمات بارزة لرجال أخلصوا لله دينهم، ونذروا للدين حياتهم. واحترقوا ليضيئوا للناس دروب الحياة، ويجددوا في دمائهم ماء الحياة، وفق المفهوم القرآني للحياة، في قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾ [الأنفال 24].

ومن باب التمثيل نستذكر أسماء لامعة في حركات الإصلاح الحديثة والمعاصرة، أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وحسن البنّاء في مصر. واللفيف المبارك من أفذاذ الجزائر الذين جمعهم الإمام عبد الحميد بن باديس في مظلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالجزائر، إلى الجماعة الإسلامية بباكستان برعاية أبي الأعلى المودودي، إلى

١٥ / ٣٣٣