مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢

النهضة المعاصرة في تركيا التي أثمر فيها غرس بديع الزمان النورسي، ونضجت على يد تلاميذه أمثال نجم الدين أربكان وفتح الله كولن. دون أن نغفل جهودا طيبة في الغرب سطع بينها نجم طارق رمضان في أروبا. ولا يسع المقام للتمثيل بله الحصر والاستقصاء، فمساحة التجديد تمتد حيثما أظلت راية الإسلام، وارتفع صوت المآذن مناديا للناس إلى حياة السلم والإيمان.

وقد اتضح لدى المسلمين أن هذا الدين ثابت الأصول مستمر الأحكام، لا تبديل فيه ولا تغيير وفق حكم الله في القرآن: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة 03].وأنه خاتم الرسالات إلى قيام الساعة ﴿وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ الاِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران 85]، وأنه الدين المختار الموافق للفطرة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَالِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم 30].

ومن هنا تقرر أن التجديد لا ينال الدين في مصادره ولا أحكامه، بل في تعامل الناس معه وكيف يتمثلون أحكامه في واقع الحياة، فغدا المراد بهذا المصطلح تجديد المسلمين لا تجديد الدين. وضبط التجديد بهذا المعنى مناسب لما تعارف عليه الناس أن الميزان ثابت والموزونات متغيرة، والقرآن حَاكم، وما سواه محكوم، والقرآن مجدد، فهو ثابت محفوظ بحفظ الله، ولكنه يجدد للناس حياتهم وإيمانهم، ومعارفهم وأفكارهم، بل إن فهمهم للقرآن نفسه يتجدد بما ينفتح عليهم من مكنون الحقائق والعلوم؛ فيجدون في الكتاب المعجز سبقا ودقة وإعجازا يتحدى المنكرين، ويثبت كل يوم حجة جديدة أنه تنزيل رب العالمين.

ومن الضروري التنبيه إلى أن التجديد بمفهومه الحضاري الشامل أمر مسلَّم واضح ضمن أبجديات هذا الدين؛ وما تضمنه القرآن الكريم. بيد أن المتبادر عند إطلاق المصطلح يتجه إلى تجديد صلة الناس بالدين، وتجديد فهمهم لمضامينه، وتجديد طرق معالجة العلماء لموضوعات الإسلام عقيدة وفكرا، وفقها واجتهادا، وما ارتبط بهذا من معارف عرفت بعلوم الإسلام.

والراصد لما كتب في هذا المجال، يجد المكتبة الإسلامية زاخرة بمؤلفات ودراسات ثرية وفيرة، عالجت ميادين التجديد، سواء في العقيدة وقضايا الإيمان، أم في التشريع والاجتهاد، أم في التفسير وعلم الرواية والحديث، أم في السيرة والتاريخ.

١٦ / ٣٣٣