مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

وحرمة الربا في شريعة الإسلام أمر قاطع نصَّ عليه القرآن في أكثر من موضع، ولقد جاء النكير الشديد في القرآن الكريم والسنة النبوية على مقارفة الربا، ولم يبلغ القرآن من تفظيع محرم من المحرمات ما بلغه في موضوع الربا، فعلى امتداد أسطر عديدة من سورة البقرة تتوالى القوارع والزواجر، فتطالعنا في مستهلِّها بوصف دقيق للحالة النفسية للمرابي، تلك النفسية المتخبطة المضطربة ﴿الذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾(1)، وهي حالة نفسية على النقيض من مظاهر الطمأنينة التي رسمتها آيات الإنفاق التي سبقت هذه الآيات، فهذه نفوس الجشعين التي لا تشبع ولا تهدأ، وتلك نفوس المنفقين التي تعالت على نوازع الشح والبخل ﴿الذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَة فَلَهُمُ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(2).

وإن كانت معظم التفاسير دأبت على قصر هذا التخبط على القيام الأخروي، ولكن لا دليل يبرر هذا القصر(3)، ومظاهر التخبط والاضطراب تزداد جلاء يوما بعد آخر بعد استفحال هذا الوباء في الاقتصاد العالمي، وما الأزمة المالية العالمية الأخيرة عنا ببعيد.

ثم يأتي الوعيد الشديد الذي لا يدع مجالا لمراوضة النفس الأمّارة بالسوء ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلىَ اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُؤْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(4)، ولحزم أمر الربا لم يُترَك بابه مترنحا، بل أوصده المشرِّع بأغلظ الوعيد، مع مراعاة التخفيف على التائبين الذين تورطوا قبل النص،

(1) -سورة البقرة، الآية:275.

(2) -سورة البقرة، الآية:274.

(3) -محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، دط، 1990 م)، ج3، ص80.

(4) -سورة البقرة، الآية:275.

١٥٨ / ٣٣٣