مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣

ومدار هذا النتاج الدعوة إلى تنقية علوم الإسلام مما علق بها من شوائب أذهبت نقاءها، وأفقدتها فعاليتها، حتى خفَتَ أثرها وكاد يختفي من سلوك الإنسان، إذ باعدت بينه وبين جوهر الدين وما يرمي إلى تحقيقه من مقاصد وغايات. ويخلص لنا بعد هذا التوضيح أن مضمون التجديد الذي استقر لدى علماء الإسلام يراد به إعادة صلة المسلمين بدينهم، وبعث الحياة في عقائدهم، بحيث لا تظل مفهوما غائما أو سلبيا يجعلهم خارج الأحداث، بل يعود الدين كما استوعبه الجيل الأول محركا دافعا لهم لخوض غمار الحياة، وعمارة الأرض ونفع العباد وفق منهج الله، وابتغاء رضوان الله، لا يريدون بذلك بطرا ولا عدوانا، بل ينصرون الحق وأهله، ويعزّون الدين وأنصاره. كما وصفهم ربهم في قوله: ﴿الذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ﴾ [الحج 41].

جدلية التجديد بين الفرض والرفض:

سبقت الإشارة إلى أن التجديد ضرورة للحياة، وهو كذلك في مجال التدين، باعتباره غذاء للروح وصلة الخلق بالخالق، وهذه الصلة عرضة لأن تصيبها العلل، وتعترضها القواطع، من جهل ونسيان، وشهوات وشيطان، فينحرف العبد عن مسار التعبد السليم. ويكون التجديد مراقبة دورية وتقويما مستمرا للإيمان، وصلة العبد بالرحمن.

بيد أن الأمر في الواقع على النقيض، إذ استقر عبر حقب التاريخ المعهودة رفضُ الناس للجديد، ومعارضتهم لدعاة التجديد. والقرآن طافح بشواهد هذه الحقائق، عبر تاريخ الرسل وما لقوا من أقوامهم من بلاء، وفي سيرة المصطفى كفاية لترسيخ هذه الحقيقة في الأذهان، حتى يعتبر بها الدعاة، باعتبارهم ورثة الأنبياء في رسالة التبليغ، وفي الصبر على ما يلقون من أذى بليغ. ورغم هذه المقاومة والرفض، فقد استمرت جهود العلماء الربانيين والدعاة المخلصين، في المقاربة والتسديد، مؤمنين بشرف الرسالة رغم التحديات والعراقيل.

وتاريخ الإسلام شاهد على وعي الدعاة بهذه المعاناة، إيمانا بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي جعلهم ورثة الأنبياء(1)، فهم يرثون عنهم تركتهم بما لها وما عليها، ففيها العلم والهدى والرشاد، وفيها الجهد والابتلاء والصبر على أذى العباد.

(1) -ورد الحديث «إن العلماء ورثة الأنبياء» عن أبي الدرداء في حديث طويل بألفاظ متقاربة.

ينظر: صحيح ابن حبان - كتاب العلم، ذكر وصف العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا قبل- حديث: 88.

سنن الدارمي - باب في فضل العلم والعالم، حديث: 362.

سنن أبي داود - كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم - حديث: 3175.

سنن الترمذي، الجامع الصحيح - الذبائح، أبواب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، حديث: 2674.

١٧ / ٣٣٣