مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٦والحاصل أن أحكام ربا الديون تتميز عن ربا البيوع في الفقه الإسلامي من جهتين:
*- أنَّ ربا الديون مجمع على تحريمه، أما ربا البيوع فقد وقع الخلاف في بعض تفاصيله، فمثلا نجد أن أكثر الإباضية لا يرون حرمة ربا الفضل أصلا، إضافة إلى الاختلافات في تعليل الأموال الربوية.
*- أنَّ ربا الديون محرم في كل مال مثلي يمكن إقراضه، بخلاف ربا البيوع المحرم في أموال مخصوصة تبعا للخلاف في العلة الربوية.
اضطراب نظرية الربا في المنظومة الفقهية:
إن تناول الفقهاء لربا البيوع منفصلا عن ربا الديون أثر على بحوث الربا على مستوى بناءنظرة إسلامية متكاملة للنظرية الاقتصادية، فأصبحت كثير من الدراسات الاقتصادية الإسلامية تتسم بالنظرة التجزيئية على طريقة منهج الموضوعات الفقهية لا على منهج التفكير الاقتصادي الكلي، فلم ترق إلى نظر منهجي اقتصادي يحاول بجدية صياغة نظرية كلية للربا تجمع شتات فروعه تحت مظلة ربا الديون الثابت تحريمه بنص الكتاب، وربما كان هذا من نتائج التأثّر بالدرس الفقهي الذي أقام قطيعة شبه كاملة بين ربا القرض وربا البيوع، والذي هو من نتائج منهج التعامل مع المرويات الحديثية بمنهجية موغلة في الاستقلالية عن القرآن الكريم(1)، فالهيمنة المفرطة لنظرية استقلال الرواية بالتشريع، وهيمنة نظرية السند جعلت المرويات الحديثية أصلا قائما بذاته، يصعب -أحيانا- إيجاد جوامع منهجية مع الأصل القرآني المحكم، وهذا يعيق من بناء نظرية اقتصادية متماسكة الأركان.
(1) -طارق عبد الله، في نقد الاقتصاد الإسلامي، ورقة بحثة مقدمة لورشة «مستقبل الاقتصاد الإسلامي»، (جدة: معهد الاقتصاد الإسلامي، 1433هـ/2012م)، ص52 وما بعدها؛ وقد استغرب رفيق المصري عدم تطرق الفقهاء الوافي إلى الصلة بين ربا البيوع وربا الديون، خاصة عند اجتماع الفضل والنساء؛ المصري، الجامع في أصول الربا، ص 135.