مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٧ومن آثار هذه القطيعة نجد خفاءً للمناسبة في تعليل الأموال الربوية، وميلا إلى قياس الشبه، مما جعل ابن حزم يسخر من هذه التعليلات ويعتبرها مجرد ظنون لا يستقيم لها دليل(1)، والأصل ألا تكون العلة إلا وصفا مناسبا وإلا فإن التعليل بها ممتنع، والقياس عليها يكون ضعيفا(2)، خاصة في موضوع خطير كالربا، ويبدو أن بعض التعليلات لا تستحضر الوحدة الموضوعية بين أنواع الربا، فلقد قيل بأن مناسبة علة الطعم هي حماية أقوات الناس من التداول في أيدي قليلة(3)، ولكن هذه المناسبة مردودة بجواز التفاضل الحاضر في الصنفين المختلفين من الأقوات، وإن كان من احتكارٍ في الأطعمة فإنه أدعى أن يكون بين هذه الأصناف المختلفة، فيتم تبادل تلك الأنواع بين مالكي الأقوات فيحتكروها.
ومن المناسبات الواردة على هذا التعليل يرى ابن رشد أن المناسبة هي منع السرف، بحيث لا يُلجَأ إلى ربا الفضل في الجنس الواحد إلا طمعا في صفة كمالية زائدة، وهذا من السرف الممنوع، وهذه مناسبة غريبة! فهل طلب تمرٍ أجود مما يملكه الإنسان يعتبر من السرف المحرم؟ وإن كان كذلك فلِمَ لم ينه رسول الله ح عامله على خيبر عن ذلك السرف، بل دلّه على السبيل المشروع للحصول على التمر الأجود!
(1) -ابن حزم، المحلى، ج8،ص469.
(2) -يقول الآمدي: «والمختار أنه لا بد وأن تكون العلة في الأصل بمعنى الباعث أي مشتملة على حكمة صالحة أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وإلا فلو كانت وصفا طرديا لا حكمة فيه بل أمارة مجردة فالتعليل بها في الأصل ممتنع لوجهين؛ الأول أنه لا فائدة في الأمارة سوى تعريف الحكم، والحكم في الأصل معروف بالخطاب لا بالعلة المستنبطة منه، الثاني أن علة الأصل مستنبطة من حكم الأصل ومتفرعة عنه فلو كانت معرفة لحكم الأصل لكان متوقفا عليها ومتفرعا عنها وهو دور ممتنع»؛ أبو الحسن علي بن محمد الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: سيد الجميلي، (بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1404ه)،ج3،ص224.
(3) -سامي بن إبراهيم سويلم، ربا الفضل وتوزيع الثروة، بحث منشور على موقعه الخاص:
http://www.suwailem.net(accessed15 December، 2012).