مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١٨ويرى محمد شابرا أن المناسبة التي تجمع حرمة ربا الفضل والنسيئة هي تحقيق العدالة في المبادلات، ففي الحين الذي اعتبر الإسلام الربا أكلا للمال بالباطل، أتى تحريم ربا الفضل في هذا السياق، «ويرجع هذا إلى أنه من غير الممكن في المقايضة أن يعرف المرء - ما لم يكن خبيرا- المعادل الصحيح لسلعة معينة بمقياس سائر السلع إلا على وجه التقريب، مما يؤدي إلى الظلم بطرف أو بآخر، لهذا فإن استخدام النقود يساعد على تقليل وقوع المبادلات غير العادلة»(1)، والحقيقة أن هذه كذلك ليست مناسبة مقبولة، وتنتقض بأن التسعير يضبطه السوق، ولا يَفْرُق ذلك بين التسعير النقدي أو السلعي، فالسوق كما حدد مجال السعر النقدي، فإنه سيحدد مجال التبادل السلعي، وبورصة السلع الحديثة دليل على الإمكانية، والأمر الآخر؛ لِمَ جاز تبادل السلع المختلفة ببعضها البعض، فإن كان التسعير السلعي عسيرا فإنه سيعسر في المقايضات كلها، ولعله أعسر في مقايضة المختلفين المتفاضلين من مقايضة المتجانسين المختلفين في الوصف، فتحديد مقابلٍ للوصف أسهل من تحديد مقابل لجنس مختلف تماما.
وابن القيم - تبعا لشيخه ابن تيمية(2) - ممن حاول بحث ربا البيوع بمنهج تكاملي مع ربا الديون، وسمى ربا البيوع بالربا الخفي، وربا الديون بالربا الجلي، واعتبر حكمة تحريم الأول سدّ الذريعة إلى الثاني، يقول ابن القيم: «مَنَعهم من ربا الفضل لِما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين … تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي
(1) -محمد عمر شابرا، نحو نظام نقدي عادل، ص59.
(2) -أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، الفتاوى الكبرى، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، ومصطفى عبدالقادر عطا، (دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ/1987م)، ج6،170.