مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤

كما واجه العلماء بلاء من نوع آخر، تمثل في تشويه عملية التجديد، إذ لم يخل تاريخ التجديد من دعوات مشبوهة سعت لضرب الأصول وزعزعة الثوابت، ودعت لإلغاء المستقر من الأحكام القطعية في الإيمان والتشريع، بدعوى التجديد ومواكبة التطور السريع. استجابة لضغوط الواقع أو انبهارا بفكر وافد، أو اعتقاد سائد. بيد أن هذه الدعوات ظلت هجينة أنكرها الراسخون من العلماء؛ وظلت محدودة الأثر في النهاية، رغم ما صاحبها من دعم وترويج ودعاية. ولئن اشتركت كل الدعوات في الرفض ابتداء، فإن الدعوات الدخيلة رفضها العلماء، والدعوات الأصيلة اعترض عليها الدهماء، ثم استبان الحق فيها فاحتضنها الجميع ومضت لغايتها على الخط السريع.

ونضرب صفحا عن الجانب التاريخي رغم أهميته لنعالج مضامين التجديد، وما تعنيه من دلالات في الفكر والمنهج، والتربية والبناء الحضاري. والمتتبع لمسار المجتمع المسلم عبر التاريخ يجد منحناه البياني متفاوت الدرجات بين صعود وانحدار، وعند دراسة العوامل المؤثرة في هذا المسار يتجلى بوضوح مدى الترابط الوثيق بين حال المجتمع وبين صلته بمصدره الأول، القرآن الكريم، ومدى تمثله لتعاليمه في واقع الحياة كما جسدها الرسول وصحابته الكرام. هذا المنحنى البياني لواقع المجتمع وطبيعة علاقته بأصوله ومصادره، تضبطها علاقة ثابتة مطردة، استوعبها العلماء استنادا إلى حقائق القرآن: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا اِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر 10]، وإلى قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الاَعَزُّ مِنْهَا الاَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُومِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [المنافقون 08].

فحين يفتقد أهل الإسلام العزَّة يرد السؤال عن السبب، مع الإجماع على تنزيه الحق سبحانه عن إخلاف الوعد أو عدم الصدق في الإخبار، ويبقى الإشكال في حصول شرط العزة، وعدم أهلية المسلمين لها حين فرطوا فيها وضيعوا أسبابها. ولا يكون العلاج إلا بتجديد صلتهم بالإيمان بالله، وعودتهم الصادقة إلى حماه.

١٨ / ٣٣٣