مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣ويبدو أنّ فكرة استقبال طلبة صغار كانت تراود كبار الطلبة بتونس كما كانوا يسمّون أنفسهم، اقتداء بما فعله الشيخ أبو اليقظان، غير أنّ الذين خاضوا هذه التجربة قلّة قليلة، فقد كتب الشيخ الثمينيّ إلى الشيخ امحمد بن أحمد البارونيّ، بعد أن بقي وحيدا في الميدان سنة 1934، بعد أن تفرّق عنه زملاؤه الأوّلون، كتب يقول: «[ .. / .. ] أطلت عليك الكلام، وأخذت عليك جزءا من وقتك بتلاوة هذه الأفكار التي قد يكون فيها الدرّ والخزف، ولكن كيف العمل وأنا مشتاق إلى أخي إلى درجة أصبحت معها أودّ محادثته ولو عن بعد بواسطة؟ /وأيّ لذة أعظم من محادثة الإخوان الذين شربوا كأس الهناء مترعة يوم كانوا في عنفوان الصبا، وميعة الشباب لا يكدّر صفوهم همّ، ولا يثقل كاهلهم شغل. آه يا أخي، ولّى الشباب وأعقبه المشيب، وأصبح كلّ منّا مثقلا بالأشغال والهموم ومتاعب الحياة، وكلّما ظنّ أنّه دنا من آماله شبرا بعدت عنه ذراعا، فوارحمة الله على أيام الكفتة والزيت والخلّ والقارص، وهزل الشيخ الباروني، ودعابة الشيخ قزريط، وانفعالات الثميني، وفلسفة الشيخ اطفيش، وتبسّم ورقرقة عيون الشيخ أبي اليقظان، ولطف الشيخ يوسف، وجد وتهوّر الشيخ الحاج أحمد [قزريط]، ودروشة مسعود المصريّ، وكسل بوحجام، وخبث صالح بن علي. كلّ ذلك ولّى ومضى مع أمس الدابر، ولا أمل في عودته، وتفرّق كلّ أولئك عن الثمينيّ، وبقي وحده متحمِّلا أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، ويجترُّ ذكرياتهم الحلوة الحامضة، وهكذا شأن الدنيا، جمع وافتراق، هزل وجدّ، شباب وشيب، راحة وتعب، صفو وكدر، هناء وهمّ، فراغ وشغل، ثمّ بعد ذلك كلّه حياة وموت، جعلني الله وإيّاك ممّن استقاموا على الطريقة»(1).
(1) -الرسالة، مؤرّخة في 08/ 12/1352هـ، [24/ 03/1934م]، أرشيف الشيخ الثمينيّ، بتونس.