مجلة الحياة، العدد 17 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥

وفي هذا يقول عمر بن الخطاب: «إنا قوم أعزّنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العزّة بغيره»(1)، وقال الإمام مالك: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به آخرها»(2).هذه المعاني جسدها الدعاة والمصلحون، فجعلوا من القرآن منطلقا للبعث والتجديد، ومجالا للإبداع في نشر قيم الإسلام وإحيائها في النفوس، ليتم إحياء النفوس بها. وتفاوتت جهودهم ووسائلهم في هذا البعث، حسب مواهبهم وقدراتهم النفسية والعلمية. ولئن كانت أدوات العمل مختلفة من مجدد لآخر، فإن مرجعية القرآن في ذلك كانت حاضرة وقوية عند الجميع. والذي يشد الانتباه فيهم هو القدرة على تجاوز الوعاء الحضاري الذي نشؤوا فيه، والارتقاء إلى أفق أسمى يتحدى المعوقات ويتحرر من الجاذبية القوية التي تربط الفرد بالمجتمع، مما يؤهلهم لصناعة التغيير وتحقيق الإصلاح المنشود.

وظاهرة التمرُّد على الضغوط الاجتماعية والبيئية لدى هؤلاء الزعماء مردُّها إلى الشعور المرهف والاستعداد الفطري لتجاوز تلك الأطر، والقفز فوقها إلى منصة الإشراف على الواقع واستشراف المستقبل، والقدرة على وضع الخطط العملية التفصيلية لتنفيذ مشروع الإحياء والتجديد. واللافت للانتباه أيضا؛ أن مضمون رسالة التجديد لدى المصلحين والدعاة، لا يعدو أن يكون بيانا لجوهر رسالة الإسلام. ويمكن حوصلة التجديد في محاور ثلاثة:

1 - تحديد المفاهيم.

2 - ترشيد السلوك.

3 - إقامة القدوة الصحيحة.

فقد ركزت جهود التجديد تحديد القيم والمفاهيم، وترشيد السلوك بناء على تلك القيم، وتجسيد القدوة ليثمر التجديد غايته استقامة وبناء حضاري منشود.

القرآن والتجديد عند الشيخ بيوض:

جاء الشيخ إبراهيم بيوض إلى الحياة على قدر آخر القرن التاسع عشر(3)، وفتح عينيه على الدنيا، ووطنه يرزح تحت كابوس الويلات الثلاث: الجهل والفقر والاستعمار، وهو وضع عام كان ينيخ بكلكله على العالم الإسلامي قاطبة.

(1) -ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج44، ص5.

(2) -القاضي عياض، الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ج2، ص88.

(3) -الشيخ إبراهيم بيوض، علَم بارز من أبرز شخصيات الإصلاح الديني والوطني في الجزائر في القرن العشرين. قضى حياته ببلده القرارة بمنطقة وادي ميزاب جنوب الجزائر. فيها ولد سنة 1899م وتوفي بها سنة 1981م. وتعلم على يد مشايخ البلدة، ومن أهم أساتذته الشيخ الحاج عمر بن يحي، والشيخ الحاج إبراهيم الأبريكي.

ولم ينتقل للتعلم خارج موطنه، بل كان عصاميا بنى نفسه بنفسه، حتى بلغ في العلم درجة عالية. وأنشأ معهد الحياة ومدارس عديدة لنشر العلم والفضيلة، وحذا حذوه أهل الغيرة والفضل بميزاب وخارجها، حتى عمّ نفع هذه المدارس وانتشر نورها في مختلف مدن الجزائر شمالا وجنوبا.

واشتهر الشيخ إبراهيم بيوض رحمه الله بخصال عديدة، ومواهب نادرة أهّلته ليكون الزعيم الروحي، والموجه الاجتماعي، والعالم الموسوعي، والقائد السياسي لأمته، لفترة من الزمن امتدت ستين سنة كاملة.

حول نشأة الشيخ بيوض، ومراحل تعلمه وتكوينه، ينظر: محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج3، ط1. المطبعة العربية، الجزائر. 1389هـ/1969م. = أعلام الإصلاح في الجزائر، ج1، مطبعة البعث، قسنطينة، 1394هـ/1974م. = ج2، 1396هـ/1976م = ج3، 1398هـ/1978م. = ج4، 1400هـ/1980م.

أيضا: جمعية التراث، في رحاب القرآن، المهرجان والتأبين، وفيه خطب ومقالات حول تاريخ الشيخ بيوض. وكذا: معجم أعلام الإباضية، ترجمة رقم 33، وفيها تفصيل المعلومات والمصادر.

١٩ / ٣٣٣