مجلة الحياة العدد 17 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨مسرعا فناديته وقلت له: إلى أين يا فلان؟ فقال: إلى المحكمة لأخرج ورقة ضدَّ فلان، فقلت له اجلس مكانك فجلس، ورحت أكلمه، وبعد دقائق معدودة مرَّ خصمه فناديته وجلس، ولم تكد تمرُّ إلا بعض لحظات حتَّى سويت القضية بينهما وقاما متحابين. وهكذا يجب انتهاز الفرص وعدم التأخُّر فقد يمكن أن تصلح بين اثنين في دقيقتين»(1).
من أمثلة العزابة الذين اشتهروا بجهودهم في مجال إصلاح ذات البين «الشيخ يوسف بن بكير حمو علي»، فكلما رفعت قضية أو شكوى لاسترجاع حق أو دفع مضرة بين متخاصمين إلاَّ وأمرت الحلقة عضوها من عشائرهما أن تنظر في قضيتها على مستوى إدارتها، وإذا استنكفا عنها فإن الحلقة تعقد جلسة طارئة للنظر في القضية وتميز الظالم والمظلوم فيها فإذا اتضح الحق عيَّنت الحلقة وسيطا ليصلح بينهما بالعدل فإن استجابا للأمر ورضخا له حُسم النزاع، وإلاَّ فإن الحلقة تستدعيهما إلى «تامنايت» تحت إشراف «الشيخ يوسف»، لتنظر في أمرهما وإقناعهما بالتنازل والتصالح، وإذا أصرَّ أحد الطرفين ولم يقبل الحل المقترح عليهما من طرف العزابة تعلن منه البراءة حتى يفيء إلى أمر الله. وكثيرا ما يوفَّق الشيخ يوسف إلى إرجاع المياه إلى مجاريها بفضل العدل ومقارعة الطرفين بالحجة والأدلة الشرعية، وتذكير الظالم بما ينتظره من عواقب وعقوبات صارمة في الدنيا والآخرة، وأعظم صلح سعى فيه الشيخ يوسف ووفقه الله فيه هو ومساعدوه من أعيان البلدة وأعضاء حلقة العزابة هو الصلح الذي أشرف عليه لإطفاء لهيب الفتنة التي دامت قرابة 17 سنة بمدينة العطف، وذلك سنة 1962م حين اجتمعت البلدة لإعلان المصالحة العامَّة. وإذا عجزت الحلقة في حلِّ بعض المشاكل فإنها ترفع إلى «مجلس عمي سعيد»(2).
ومازالت حلقة العزابة إلى اليوم تمارس عقد مجالس الصلح بين المتخاصمين بعد عجز أو فشل جهود المجالس العائلية ومجالس العشائر؛ حيث يرفع الأمر إلى حلقة العزابة باعتبارها آخر درجات محاولات الصلح، فالمجتمع يتكون من مؤسسات حفظته إلى اليوم عبر القرون، ولا تزال بقية خير، وهذه المؤسسات تبدأ من المسجد وتنتهي بالأسرة(3).
(1) -الشيخ إبراهيم بيوض، في رحاب القرآن ج 20 ص 101.
(2) -العلامة يوسف بن بكير حمو علي، أحمد بن حمو كروم ص 26
(3) -محمد ناصر بوحجام، المجتمع المسجدي، م، س، ص 140